الجمهورية الثانية ومقاييس الرفاهية

422٭ لا أكون مبالغاً إن قلت بأن الشعب السودانى، موعود بحياة هادئة، وأوضاعٍ مستقرة وسلامٍ وأمن مستتب خلال المرحلة القادمة، مع علمى بأن المتشائمين الذين أنشب التطير أظفاره فى سويداء قلوبهم، قد ينكرون ويتبرمون إزاء هذا التفاؤل الواقعى، والمطلوب منا دائماً أن نتفاءل ، وألا يجد اليأس إلى نفوسنا منسرباً.
٭ و لكي لا يتهمنى البعض بأننى أعيش لحظات تطغى فيها أحلام اليقظة على ظروف الواقع، والخيال الجامح على الرؤية العلمية، فالمنطق يقود نحو إبراز حالة الحاضر مقارنة بما كان عليه الماضى، فإن كان الأمر يسير بعجلة متسارعة نحو مراقى الايجاب، ومستويات الرفاهية، عندها سوف لن يكون لأحد أدنى مسوغ ليجادل مزايداً حول ذلك، وإن كان العكس هو الصحيح، فأولئك الذين يقولون بأننى من معتنقى ثقافة المبالغات والرجم بالغيب، لهم ألف مبررٍ وأكون قد أخطأت بحقهم، بل سأعترف بما اعترانى من وهم ملك زمام التفكير، وجعلنى أسرح بعيداً فى أودية الخيال.
٭ و بالرجوع تارة أخرى الى منهج المقارنات بين واقع مضى، وواقع نعيش حقائقه، يكفى أن أشير إشارة خفيفة الى أحوالنا فى السنوات الثمانين والسبعين من القرن الماضى، وإزاء ذلك فإن السؤال البرئ، الذى يتبادر الى الذهن ضمن عشرات الأسئلة، هو كيف كانت الأوضاع المعيشية؟ حيث تتفرع منه عدة استفسارات منها، هل كان المواطن يجد فى معية أبنائه قطعة خبز إن لم يستيقظ هو شخصياً للحصول عليها بعد صلاة الفجر أو قبلها؟ وهل كان بالصيدليات دواء للملاريا أو حتى للالتهابات والنزلات الشعبية؟ وهل كانت محطات الوقود تحظى بكميات من الجازولين ، أو البنزين لتوزعها على سيارات الأجرة والملاكى ، إلا بعد مرور الأسبوع والأسبوعين، تظل أثناءها محطات الوقود جافة تتحوطها أرتال السيارات، ويلفها الظلام بالليل بسبب انقطاع التيار الكهربائى؟.
٭ و هناك أسئلة لا حصر لها، قد تكون إجاباتها جاهزة لدى أولئك الذين عاشوا مآسى تلك الفترة، حيث لم تكن العاصمة، ولا طرقاتها، ولا منظرها يشبه بأى درجة ما نشاهده اليوم من أبراجٍ شاهقة، وطرقات مسفلتة، وإنارة حولت العاصمة الى هالات من نورٍ وضياء.
٭ و منعاً للاسترسال فى المقارنة، فالأمر يبدو أنه لا يستحق المزيد، لكننا استناداً عليه، نؤكد بأن السياسة وحرياتها لم تعد كما كانت، والاقتصاد ومعضلاته، قد تجاوزتا الكثير من المنعطفات بقهر تحديات الندرة، والتخلف، والجمود، من حيث الإدارة، ومن حيث الحركة، ويكفى إشارةً هنا الى التدفق المهول لسلع الغذاء، والاستثمار الواسع من قبل البسطاء فى حقل التعدين الذى ظل حقلاً متعطلاً، فإذا به يعود الى أهل هذا الوطن بما يوازى المليار أو قد يزيد عملة صعبة، وما كان يحلم بها إلا مغترب ترك دياره، وهام باحثاً عن ثروة فيما وراء البحار.
٭ و الجمهورية الثانية بهذا المقياس موعودة بلاشك برفاهية أضعاف أضعاف الرفاهية التى عاش القسط الأيسر منها هذا الشعب فى ظل تحديات تراكمت كقطع الليل المظلم، وهى رفاهية يبشر بها ما رفع من ثقل عن ظهورنا يساوى تسعة مليون شخص كنا نوفر لهم المأوى والخدمة، فكانت أغلالاً رحمنا الله بفك إسارها ، ومغادرة من كانوا سبباً فى معاناتنا ، وكذلك النقص فى الأموال والأنفس والثمرات، وإذا إنتفى مثل هذا النقص لا شك ستربو الديار ، وتستغل الثروات، وتحدث الرفاهيات.
٭ و إن غداً لناظره قريب، إذ لا يتشاءم إلا أهل الشؤم ، ولا يتفاءل إلا الذين يتوكلون على ربٍ رحيم.