حينما كنا نغرد مع «البلوم»

mustafa-mhakarأجمل الأوقات أمضيناها ،ونحن فتية صغار نتنقل بين المروج الخضراء ، مع اهالينا ،وهم يقومون على زراعة الارض الطيبة ليل نهار، حينما كانت مصانع (الانجليز) ، لا تدور ماكيناتها دون اقطان الجزيرة «قصيرة وطويلة التيلة» ،ونشعر بسعادة لا تضاهى ونحن نقفز فوق «شوالات الكبس ونغرد مع «طيور «البلوم» في عصريات صعب أن تعود!.
وفي مدارسنا الابتدائية نعقد اجمل الصداقات مع اولاد المفتشين والخفراء ،الذين يسكنون داخل المزارع في بيوت شيدها «الانجليز» ،وفق طراز لم يتكرر، في مدارسنا التي ايضا شيدها «الانجليز» كنا نطرب حينما تزورنا الفرق الفنية من معهد بخت الرضا العريق، ويقدمون اروع الفنون الغنائية والتمثيلية، والتي كانت غالبا ما تعقب دورات كرة القدم التي تنظم من قبل «التفاتيش» المنتشرة على امتداد مشروع الجزيرة الذي لاتستغل من اراضيه الخصبة غير 10% فقط ، ويرجع عدم استغلال كامل الاراضي بحسب المختصين لحاجته لمليار دولار تقريبا ، وهذه كان يمكن أن توفر ايام «طفرة النفط»وقبل»الانفصال».
كبرنا ، وهرم المشروع نتيجة ضعف الاهتمام به من قبل الحكومات المتعاقبة، في حين أغلب «افندية السودان» تعلموا في الداخل والخارج بفضل الله وعائدات مشروع الجزيرة، الذي يستحق منهم جميعا وقفة اعادة وفاء للمشروع العملاق ، الذي كان يمكن ان يجعل السودان من افضل الدول اذا ما احسن تأهيله . يبقى دور الحكومة هو الفيصل في اعادة المشروع لسيرته الاولى ، حينما جعل صادر الاقطان الجنيه ب12 دولارا، لانريد ان نقيم ليالي الاحزان ،واننا على يقين بأن أحاديث كثيرة من قبل السياسيين والمختصين قيلت في شأن كيف يدار مشروع الجزيرة الذي اصبح قبل 4 ايام على راسه وزير الزراعة ،واحسب ان مثل هذا القرار الرئاسي يضعف حجم الاهتمام بتطوير وتأهيل المشروع الذي في حد ذاته يوازي قوة حكومة قوامها القوة الاقتصادية.
المهم ان ذكريات رائعة استعدتها حين زيارة رئيس الجمهورية عمر البشير الى الجزيرة وهي ذكريات يكاد الجيل الحالي لا يتصورها، لجهة الدعة التي كنا نعيش فيها ونحن صبية صغار ، تصرف لهم الكراسات والمحابر مجانا، وبدفتر العيادة يعالج المرضى من الطلاب مجانا، ولايوجد بيت يعاني الفقر، فما تجود به فقط الحقول من خيرات يمثل مؤنة عام .
تبقى اعادة هيبة المشروع، هي «الحل» ، وهو يمثل بديلا للبترول المتهاوي والذهب الذي يهرب أغلبه بعيدا عن اعين الحكومة.
دول الخليج العربي تستورد «الخضر والفاكهة» من اصقاع الدنيا البعيدة، في حين مشروع الجزيرة يمكن ان يمثل البديل الارخص والاجود لها، واعتقد انها ستكون جاهزة لتوفير مليار دولار يوظف فقط على تأهيل المشروع ، وفق ضمانات توفير «خضر وفاكهة» بدلا عن الاستثمار العربي في زراعة الاعلاف في الشمالية وسهول كردفان.
ما كنت اود ان افسد متعة استعادة ذكريات الماضي الجميل وسط الحقول الخضراء المثمرة بالجزيرة والتي تزينها الجنائن على اطراف القرى ، باحاديث عن مرارة اللحظة الراهنة، التي اصبح فيها المزارع يهتم بحضور ندوة سياسية اكثر من الاعتناء بحواشته، في زمان الاستقطاب السياسي الذي لن يعيد للمشروع القه الجميل.
ترى هل يأتي يوم تصدر فيها الاقطان الى أوروبا، وتشحن الفواكه والخضروات عبر البواخر الى دول الخليج.. أم يظل المشروع يعطل فيه جهد المزارع ، لينشط من يتعاطى السياسة في التنظير دون ما جدوى.؟