قيم الإعلام ؛ استفتاء الوقائع لا السراب الخلَّب

سيف الدين البشير

سيف الدين البشير

صمتت وسائل الإعلام العالمية عن وقوف الرئيس البشير على مسارح مفتوحةٌ وهو يخاطب مئات الآلاف بين كسلا حاضرة الشرق ، ومدني عاصمة الوسط ، وعن حراكه لافتتاح أكثر من خمسين مشروعاً.. لم يحدث الإعلام المجتمع الدولي عن حكمٍ يقف رئيسه على مسرحٍ مكشوفٍ بصدرٍ أعزل إلا من شعبه عبر البلاد أقصى غربها إلى أقصى شرقها .. كما لم يطالب مراسليه بتقارير حول ما تم افتتاحه من مشاريع .
صمتت وسائل الإعلام عن ذلك رغم أنها أقامت الدنيا ولم تقعدها إزاء عصيان مزعومٍ لاعهد له إلا بوسائل التواصل ، فقط لأنها بحاجةٍ لكل ما هو سالبٍ تجاه السودان لأن جماعات الضغط تتحرَّى ذلك من ناحيةٍ ؛ ومن ناحيةٍ أخرى لأن السالب هو الأكثر إثارةً ، لاسيما أن التنافس الإعلامي الحالي يدفع في اتجاه صناعة الأحداث لا تغطيتها . وذلك يفسر التشوش الذي ضرب بعض الوسائل خلال الأسبوع الأخير من نوفمبر وهي تحلم بمشهديةٍ تندهش لها بؤر العدسات ولا يليق بها إلا فخيم التقارير الأكثر إثارةً .. لكن الجبل تمخض واتضح أن حمله خلَّبٌ وسحائبه جهام .. تصرَّم نوفمبر ولم يتعطل ترسٌ في أية آلة للحياة اليومية لتتضارب التغطيات والعناوين بين قائل ـ على استحياء – أن العصيان المتوهم ( نجح جزئياً) وبين مستغرقٍ في الأماني بأن تندرات ( العالم الوهمي ) بدايةٌ لا بأس بها .
ولقد سبق وذكرنا أن العصيان المتوهم تمثل في المزيد من الزبد عبر الفيسبوك ومن جماعاتٍ أغرى جلَّها اليسار المعرَّف في السودان بأنه كيان الجعجعة ولا طحين ، وأغرى بعضهم مصاخبات قيادات الحركات المتمردة التي تضعضت عسكرياً يوم أن تهاوت مبررات حربها العبثية ولم يبق أمامها سوى العمل مرتزقةً مع الجنرال حفتر ، و لوحة المفاتيح في الهواتف الذكية تردد ذات النكات القديمة التي لا تضحك أحداً .
لقد جرب الحزب الخوَّار الواهن كل شيء ولم يظفر بشيء منذ استقلال البلاد .. جرب التخفي حول المسميات العمومية شأن الجبهة المناهضة للاستعمار ، وجبهة الهيئات والجبهة الديمقراطية وغيرها وأخفق في توضيع نفسه في الوعي الجمعي السوداني .. جرب العمل في كل العهود الديمقراطية ولم يزد كسبه في البرلمان من الملتزمين أو المتعاطفين على أصابع اليد الواحدة .. جرب التحالفات مع الحزبين التقليديين الأمة والاتحادي معارضةً وحرباً على البلاد ، ومع حركة الجنوب المتمردة إبان حربها ضد الجيش القومي في كل حقب الحكم وحتى توقيع اتفاق السلام العام 2005، جرب الانقلاب العسكري فارتد عليه.
وما أن انفصل الجنوب حتى استحدث لافتاتٍ جديدةٍ هي في صميمها الفتنة تمشي على قدمين ليغرق أبناء جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق في حروبٍ ليست هي حروبهم ولا شأن لها بإنسانهم . لكن أبناء تلك المناطق أدركوا أن بارونات الحرب لا شأن لهم بهم سوى كحطب للمحرقة فيما يتفيئون وعوائلهم ظلال معاقلهم الغربية ؛ فانفضوا من حولهم رغم ما يتعرضون له من تقتيلٍ مادي ومعنوي ، وذلك ما يفسر لجوء الشيوعيين و أذيالهم من أحزابٍ تكاد قياداتها تتجاوز أعداد منسوبيها لتحشيد الشعارات عبر الفيس .
على رغم ذلك وجب التسليم بأن الضوائق الاقتصاديةٍ بلغت أيَّما مبلغٍ تجاوز خلاله عنت المواطنين ومشقتهم الحد المعقول ، وهي وإن بررتها جزئياً الحروب وعقوبات أميريكا، فإن الحكم جنباً إلى جنب مع قطاعات الأعمال في السودان مطالبةٌ بابتدار حلول ذكيةٍ وغير تقليديةٍ عاجلةٍ لمواجهتها ، ولا يكفي أن تقرر النخب الاقتصادية التنفيذية أنها أدت ما عليها ، ولا يكفي أن تركن إلى الذرائع ، بل أن المطلوب هو أن تبدع الفعل لا أن تفعله وحسب لتجاوز الأزمات .
كم هو مؤسفٌ وأنت تتجول في متاجر الدوحة لتواجهك المنتجات الزراعية والصناعية من جلِّ أقطار العالم عدا السودان ( سلة غذاء العالم ) فيما عدا اللحوم ، في حين يقنع قطاع المال عندنا باستيراد التونة والسيارات والأجبان والمضاربة في العملات . حان الوقت لتدرك نخب الاقتصاد و قطاع المال أن الحريات التجارية ليست من قطعيات الدين .
أما وقد أعلن الرئيس أن الحكومة المزمع تشكيلها هي حكومة كل الأطياف ، فإن الأمل معقودٌ أن تنأى عن المحاصصات وتضع معايير الكفاءة والتجربة والأهلية والنزاهة معياراً ليس بعده ، وأن تتمثل أولويتها المطلقة في إحداث اختراقٍ جوهري نحو نقلةٍ نوعيةٍ لرفع مستوى المعيشة لدى كافة أهل السودان مهما تكن التضحيات .. فقط علينا أن ندرك أن بيدنا أوراقا نمتلكها ، ويبقى تحدي التوقد والذكاء والجرأة العلمية في استخدام تلك الأوراق لإحداث النقلة في اقتصادنا ..