الشباب العربي وآفاق التنمية:قراءة في تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2016

بهاءالدين-مكاويصدر قبل أيام عن برنامج الامم المتحدة الانمائي (UNDP) تقريرالتنمية الانسانية العربية للعام 2016 م، وقد جاء تحت عنوان) الشباب وآفاق التنمية الانسانية في واقع متغير (، وكان زعماء العالم قد اعتمدوا في العام الماضي خطة التنمية المستدامة للعام 2030م ، وقد أكدت الخطة أن» الشابات والشباب هم عوامل حاسمة للتغيير، ودورهم محوري لتحقيق التنمية المستدامة « ، بناء على ذلك دعا تقرير التنمية الانسانية الدول العربية «الى الاستثمار في شبابها، وتمكينهم من الانخراط في عمليات التنمية «وذلك لأن ثلث سكان المنطقة ـ حسب التقرير- هم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15ـ29 سنة، لكن -يقول التقرير ـ كثيراً من الشباب يتلقون تعليماً لا يعكس احتياجات سوق العمل ، لذلك فان الكثير منهم عاطل عن العمل، ومستبعد من الاقتصاد الرسمي، لذلك وقع الشباب العربي في حالة من الاحباط والعجز والاغتراب والتبعية ، وكانوا أكثر الشرائح تأثراً بالأزمات التي اجتاحت المنطقة . حيث دفعوا للخطوط الأمامية في صراعات لم يتسببوا فيها أصلاً ، فمات الكثيرون منهم ، وفقد آخرون موارد رزقهم ، مما ألجأ الكثيرين منهم للانضمام الى الحركات المتطرفة والارهابية . لذلك يدعو التقرير إلى تمكين الشباب وتعزيز قدراتهم وتوسع نطاق الفرص أمامهم من خلال « اقتصادات تشجع ريادة الأعمال ، وبينات سياسية تشجع المشاركة الفاعلة، ونظم اجتماعية تعزز المساواة وتكافح التمييز».
وتحت عنوان ( ديناميات عدم تمكين الشباب في المنطقة العربية) يقول التقرير إنه ، وبالرغم من صعود جيل جديدمن الشباب العربي هو الأكبر حجماً والأفضل تعليماً والاكثر تمدناً في تاريخ المنطقة العربية، فان آفاق هؤلاء الشباب معرضة للتهديد بسبب الاقصاء والفقر والركود الاقتصادي وانتشار الفساد ، ويحدد التقرير ستة عوامل تعيق الشباب ، وتنزع إلى أضعافهم ، وتمنع تحرير طاقاتهم. هذه العوامل تتمثل في الآتي:ـ
1- ندرة فرص العمل اللائق:
يشير التقرير إلى أنه وعلى الرغم من أن نسبة شريحة الشباب تساوي ثلث سكان الوطن العربي ، فان نسبة مشاركتهم في القوى العاملة هي24% وسط الشباب و18% وسط الشابات وهو ادنى معدل في العالم، وينتظر الشباب المؤهلون لفترة طويلة أملاً في وجود وظيفة ، مما يضطرهم إلى العمل في قطاع غير رسمي وبأجور منخفضة وشروط عمل سيئة ، كما تلعب «الواسطة» الدور الأكبر في توزيع الوظائف المحدودة المتاحة ، مما يدفع الشباب للاعتماد على العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية، وهو ما يعطى أبناء العائلات المتنفذة أفضلية على أقرانهم بما يعنيه ذلك من انتهاك لمبادئ العدالة الاجتماعية والجدارة.
لقد أدى عدم توظيف الشباب إلى احجامهم عن الزواج وتكوين أسر ، ودفعهم للهجرة الى الخارج ، ويعني ذلك هجرة الكوادر الماهرة وإدامة اقصاء الشباب وتحجر الوضع القائم في المنطقة العربية ككل.
2- ضعف المشاركة السياسية:
يقول التقرير أنه وعلى الرغم من عدم وجود عوائق قانونية كبيرة تمنع الشباب من المشاركة السياسية، تحتل المنطقة العربية المرتبة الأخيرة عالمياً من حيث المشاركة عالمياً ( بمعدل 9% مقارنة ب14% في أفريقيا جنوب الصحراء) ، ويرجع التقرير انحسار مشاركة الشباب العربي إلى الممارسات الاقتصادية عموماً ، والى عدم ثقة الشباب في العملية الديمقراطية برمتها، لكن اهتمام الشباب بالمشاركة يتزايد .
3- انخفاض جودة الخدمات العامة في مجالي التعليم والصحة :
يقول التقرير انه قد نجحت الجهود الوطنية في البلدان العربية ذات الدخل المرتفع في توسيع نطاق التعليم الاساسي من الناحية الكمية، ولا تزال البلدان الفقيرة وذات الكثافة السكانية العالية بحاجة إلى التوسع في هذا المجال. كما اشار التقرير الى تشكك الشباب في قيمة التعليم العالي في ظل انتشار البطالة في اوساط خريجي الجامعات ، كما ان ضعف مخرجات التعليم في المنطقة العربية يقود الى تدني نتائج التنمية بشكل عام .
4- سوء إدارة التنوع في المجتمع :
اشار التقرير الى التنوع العرقي والثقافي الذي يميز اغلب الدول العربية مع سوء ادارة التنوع في هذه البلدان ، ويؤدي ذلك الى الإخفاق في ضمان المساواة بين جميع المواطنين مما يجعلهم أكثر ميلا إلى التكتّل على أساس مصالح َفئوية قد تصطدم بالمصالح المشتركة العابرة للفئات كافة.
5- انتشار مفاهيم وممارسات موروثة تعيق المساواة بين الجنسين :
يقول التقرير في هذا الصدد انه على الرغم من وجود ضماناتٍ في الديانات والاعراف السائدة في المنطقة العربية لتحقيق المساواة بين الرجل ، لا تزال المنطقة العربية اكثر تخلفا في هذا المجال اكثر من اية منطقة اخرى في العالم ، حيث تعاني الشابّات انعدامَ المساواة بين الجنسين في أغلب البلدان العربية، ولايزال تمييز أرباب العمل ضد النِساء أمرا شائعًا، وبالتالي فان تحسّن فرَص حصول الشابّات على تعليمٍ مناسب خلال العقود الماضية لم يؤت ثمارَه كاملة لأسباب عدة، بينها التمييزُ على أساس النوع الاجتماعي فحين تكمل الشابّات تعليمهن تجدن أنفسهن مضطرات إلى بذل جهد أكبر َمن الشبّان لايجاد وظيفة مجدِية ومرضِية ومناسبة الأجر، خصوصا في بداية مسيرتهن المهنيّة بعد الجامعة. كما ان حقوق الرجال والنِساء في الزواج والطلاق غير متساوية، فيما تبقى النِساء أكثر عرضة للعنف المنزلي والمؤسساتي .
6- الحروب والصراعات المسلحة :
يشير التقرير ـ كذلك- الى الحروب والصراعات المسلحة التي يزخر بها العالم العربي مؤكدا ان هذه الحروب تدمر النسيج الاجتما عي للمنطقة العربيةِ ،وتسبب خسائر فادحة في الأرواح؛ ليس بين المقاتلين فحسْب، ولكن كذلك بين المدنيين، حيثُ مقابلَ كلّ شخصٍ يقتل مباشرة بالعنف المسلح، يموت ما بين 3 و 15 آخرين على نحو غيرِ مباشر من امراض كان يمكن أن تعالج، ومضاعفات طبّية، وسوءِ تغذية.
وتحت عنوان (الدِين والهوِية والتطرّف العنيف ) يقول التقرير الى انه قد برزت خلال العقود الثلاثة الماضية في البلدان العربيّة عدّة جماعات اتخذت مواقف إقصائية حادة ضدّ من تعتبره »الآخَر « الذي تعني به كلّ من يختلف مع وجهات نظرها؛ مستندةً في ذلك إلى تفسيرات دينية ٍمتطرفة، وتمكنت من جذب كثير من الشباب الى صفوفها.
يقول التقرير انّ غالبيةَ الشباب الساحقة في المنطقة العربية لا تَميل إلى تبنِّي أفكار ٍمتطرفةٍ عنيفة، ولا إلى المشاركة في مجموعاتٍ أو نشاطاتٍ ذاتِ صلة،لكنّ ذلك يجب ألا يدعو إلى الاستكانة. فالشباب يبقَوْن معرضين ليكونوا ضحية دعاية جماعات تسيء استخدام الدِين، مستفيدة من الدور المحوَري الذي يلعبه في تشكيل الهوِية. ويدعو هذا الأمر إلى معالجاتٍ تنمَويةٍ عميقة، يشرَك الشبابُ في صياغتها وتنفيذها. فهُم ـ إذا مكِّنوا ـ يكونون قوة كامنة قادرة على المساهمة في مواجهة الاستخدام السياسيِّ المُغرِض للدِّين؛ في حين أن إقصاءهم قد يؤدي إلى زيادة ذلك الاستخدام تَفاقما؛ وربّما يقودإلى مزيد من التطرف .
وينتهي التقرير بما سماه ( نموذج تنموي جديد وجدير بالشباب في المنطقة العربية) ، يوصي فيه بالاتي:
1- العمل على تعزيز قدرات الشباب الأساسية بما يمكنهم من تحقيق أقصى إمكاناتهم، مع التركيز على جودة الخدمات التعليمية والصحية اللازمة لذلك .
2- توسيع نطاق الفرص المتاحة للشباب من أجل تحقيق الذات، اقتصاديًّا بتوفير فرص عملٍ لائقة، وسياسيًّا من خلال احترام حقوقهم وحرّياتهم وتمكينهم من المشاركة الفاعلة في المؤسسات الرسمية ومساءلتها، واجتماعيًّا من خلال مواجهة كلّ أشكال التمييز على اساس الهُوِية أو النوع الاجتماعي .
3- العمل على تحقيق السلام والأمن وتعزيزِ دورالشباب في هذا الإطار إذ من دون سلام وأمن لا يمكن تعزيز قدرات الشباب ولا توسيع نطاق الفرص المتاحة أمامهم، كما لا يمكن ضمان استدامة مثل تلك الجهود وتراكمها على نحوٍ فعّال.
وبعد …. فهذه هي الخطوط العريضة والافكار الاساسية الواردة في هذا التقرير المهم ، والذي وضع يده على موضع الالم في هذا الواقع العربي المرير ، وما أكثر التقارير التي شخصت ادواء وعلل المجتمعات العربية ، وما أدق المقترحات التي تقدمت بها المؤسسات الدولية والاقليمية للتصدي لهذا الواقع المأزوم ، ويرجو المرء ان لا يكون مصير هذا التقرير كمصير التقارير السابقة تذهب به وبمقترحاته الرياح السوافي ، بل الرجاء ان تأخذه الحكومات والاحزاب ومنظمات المجتمع المدني بالجدية ، وتتناوله بالدراسة ، وتستفيد من الحقائق الواردة فيه لبناء خطط شاملة تنتشل العالم العربي من الحالة البائسة التي يعيشها .