وجع وش

480حكاية شيخ ابو سن زعيم الشكرية مع المفتش الانجليزي عندما سأله رأيه عن مأمور المركز، لها روايتان، الأولى تقول إن شيخ العرب رد على السؤال بالقول (كويس إلا رسلولو اولادو ) -واللبيب يفهم اشارة الشيخ-، والثانية وهي ما تعنينا هنا هي قوله: ( كويس إلا طوّل ) -أي طالت مدة بقائه في المنصب- فشيخ العرب وحكيم البطانة بهذا الرد البليغ انما كان يقرر حقيقة نزل بها القرآن الكريم من فوق سبع سماوات ( وتلك الأيام نداولها بين الناس لعلهم يتفكرون )، كما كان يشير أيضاً لحكمة أفرزتها التجربة الانسانية الطويلة وهي أن طول البقاء في السلطة والمنصب يفسد الاثنين معاً، المنصب وصاحبه، هذا إضافة الى المعلوم بالضرورة عن أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة تورث الاحساس بالعظمة والقوة والجاه والسلطان ولهذا يستمسك بها صاحبها ويستميت من أجلها بكل السبل والوسائل ولو كانت الاستعانة بالفقرا والدجالين ، ولأهل السودان فيمن يفرض نفسه عليهم ويظل يطل عليهم رغم تطاول الزمن وتعاقب الايام وباختلاف وتعدد المنافذ والواجهات والوسائط التي يطل منها، عبارة وجيزة وناجزة تلخص ببلاغة هذا المشهد الرتيب الممل، إذ يقولون فيه ( فلان دا عامل لينا وجع وش ) …
و( وجع الوش ) هذا كابده أهل السودان لمدة طويلة من الزمان ظلوا خلالها يصبحون ويمسون على وجوه محددة لم تفارقهم أبداً، يفتحون الفضائية السودانية يجدون بعضهم، يتحولون الى ( الشروق ) يجدون بعضهم الآخر، وهكذا النيل الازرق والاذاعة الأم بتفريعاتها المختلفة بل وحتى إذاعات ( الاف إم ) ، لا مهرب منهم الا اليهم، وجوه محفوظة وأسماء أصبحت مثل مقرر المحفوظات، أبسط مواطن سوداني من كثرة ما ترددت على سمعه هذه الأسماء ومن كثرة ما أطلت عليه هذه الشخوص يستطيع أن ( يُسمّع اسماءها صم ) دون أن يتردد أو يتلعثم في اسم، فهل عقرت ( الانقاذ ) أم عقمت الأحزاب المتوالية والمشاركة في الحوار حتى تعتقل أهل السودان في دائرة ضيقة ومغلقة من الاسماء والشخصيات التي ظلت تتبادل المواقع وتتنقل بين المناصب الرسمية والحزبية والبرلمانية وحدها في رشاقة القرود التي لا تترك فرعاً إلا حين تمسك بالآخر؟. إن الماء الراكد والآسن يتعفن إن لم يتم تجديده و(كترة الطلّة تمسخ خلق الله )، فهل نسمع بأسماء جديدة ونرى شخصيات مختلفة مع ما قيل إنه تغييرات مرتقبة في التشكيلة القيادية القادمة للبلاد، أم أن الحال لن يختلف كثيرا وسيظل الناس يعانون من ( وجع الوش )..؟