السياسة والتنفيذ

422من النَّاس أولئك الذين حباهم الله سبحانه وتعالى القدرة العالية لقراءة المعطيات وربطها بالماضي، مما يعينهم على استشراف المستقبل بناء على نظرة واعية، وتجربة كافية، وتقدير قلما يجانبه الصواب، ولا نحسب أن هذا النمط من النَّاس هكذا قد تنزلت عليهم مثل تلك الإمكانيات دون جهدٍ منهم، أو تجربة خاضوها، ولكنَّ معظمهم يتمتعون بهذه الصفات نسبة لما هيأهم الله إليه، وما أودعه في سجاياهم وطبائعهم من عناصر جعلتهم ذوي استعداد للقيام بمثل هذه المهام.
وفي الغالب والأعم نجد بأن الذين يحسنون التفكير، في حاجة الى من يحوله لهم الى واقع يمشي بين النََّاس على الأرض، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن البشر وفقاً لحكمة الله في الخلق، قد اختص كل إنسان بخصائص، ويسره لأداء عمل.
لذلك فإن المجتمعات المعاصرة، والدول التي اتجهت نحو بناء المشروعات المختلفة تبدأ بمهام البحوث العلمية، وإسناد نشاطاتها لمراكز تعج بالعلماء والمفكرين الذين لا هم لهم سوى وضع الرؤية، وتصميم التصور، واقتراح من لديهم القدرة، والدربة لإحالة مخرجات ما توصل إليه العلماء والمفكرون، الى واقع يراه النَّاس عياناً بياناً، في شكل مشروعات شامخة تجسد بكل واقعية ماكان فكرة على الورق، ليصبح انجازاً تراه الأبصار، ويلمسه الكافة.
وهذه الوظيفة الأخيرة هي التي يضطلع بها التنفيذيون الذين تنطبق عليهم المواصفات الخاصة بما هو مطلوب من تأهيل ومهارة، منهم الذين يشيدون المباني العالية، والأنفاق العظيمة، وأيضاً نجد منهم الذين يضعون النظريات الاقتصادية موضع التنفيذ فيكون نتاج كفاءتهم تبدل الحال الاقتصادي من حالة جمود الى حالة حركة، ومن وضع فقرٍ الى مستوى يدق باب الرفاهية ليدخل منها البعض، ويتيح لآخرين التمتع بقسط وافرٍ منها عبر منافذ أخرى بلا استثناء لشريحة أو إقصاء لعامل بسيط حرفيا كان أو مهنيا أو أولئك الذين تقاعدوا لوصولهم سن المعاش.
وهناك فرق شاسع بين من يضع السياسة، ويفصل الخطط، والذي يكلف بالتنفيذ، لأن الأول قد لا تتوفر له العناصر الكفيلة بتحويل سياسته الى واقع، لانشغاله بمهمة التفكير والتقدير، حيث لم يجعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه، والثاني قد لا تتوفر لديه إمكانات تجعله قادراً على إيجاد تصورٍ ناضج، لكنه على استعداد إذا وجد من وضع له ذلك التصور أن يحيله الى حقيقة بحيث يلمس المرء الفكرة بيده عندما يتم تحويلها الى عملٍ محسوس.
والتجربة تقول بأن المهندس المعماري، هو المختص برسم التصاميم، وتصور الهيئة التي سيكون عليها المشروع، لكنه ليس المهندس المختص للقيام بأعباء التنفيذ.
والذين يضطلعون بوضع الاستراتيجيات والسياسات قصيرها، ومتوسطها، وطويلها بدول العالم المعاصر، ليسوا هم الذين يطالبون بمتابعة التنفيذ.
والعالم اليوم، اتجه بكلياته نحو التمييز بين أهل الرأي والاستشارة وهم من يفترض فيهم تحمل أعباء القيام بالتنوير والإرشاد، وبين الذين يطالبون بإدارة الآليات، والتحكم في الأجهزة وفقاً لما تلقوه من توجيهات وتعليمات.
وصدق نبي الله المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله
ما خاب من استشار وما ندم من استخار
آملين أن تكون جمهوريتنا الثانية قائمة على رجال يستشارون، وآخرين يستخيرون والبقية تكون رهن الإشارة، وعلى أهبة الاستعداد للتنفيذ والتطبيق ثم التوكل على الله.
فراعي الإبل يكون متواكلاً ولا يكون متوكلاً إلا إذا عقل البعير تجنباً لانفلاتها.