الحكومة ليست تكية

480يكثر هذه الأيام الحديث عن تشكيل الحكومة الجديدة . لا يمر يوم الا وتحمل الصحف حديثا عنها ، وكلما أتى ذاكر على ذكرها ، تقفز الى ذاكرتي بعض الأحاديث السابقة عن تشكيلات حكومية ماضية ، ومع ذكرها في صحف الأمس استعادت ذاكرتي حديثا للدكتور أمين حسن عمر عن احدى هذه التشكيلات الحكومية ، وأذكر أن دكتور أمين حين سئل عن الوظائف البديلة والتعويضية التي ستنتقل إليها القيادات التي ستفقد حقائبها الوزارية في التشكيلة الوزارية المرتقبة، قال الدكتور أمين ما معناه ( يروحو محل ما يروحو ) فلا يهمنا إلى أين يذهبون… القصة ليست رعاية أيتام… أن تذهب هذه القيادات أو تجلس لا يهمنا ، وكأني بالدكتور أمين الذي كاد أن يردد هتاف ( قاعدين ليه ما تقوموا تروحوا ) في وجه القيادات المغادرة ، أراد أن يقول إن الحكومة ليست تكية تعتاش منها وعليها وبها هذه القيادات، وعلى من يفقد منصبه أن يتدبر حاله وأمر معاشه و ( عقلك في رأسك تعرف خلاصك ). والحكومة غير معنية بهم ولا مسؤولة عنهم بعد أن يغادروها ،ولكن د. أمين نفسه حين فقد منصبيه الرسمي والحزبي اللذين كان يشغلهما وقتئذ ، لم يغادر لتدريس الفقه المقارن بجامعة القرآن الكريم أو يعود لممارسة مهنة الصحافة ،بل ظل يتنقل مابين الرسمي والحزبي من الوظائف …
على كل حال وغض النظر عما اذا كان د. أمين يصدر عن مبدئية أو غير مبدئية في مقولته تلك ، الا أنه يبدو من ظاهر قوله كمن يريد تجاوز الماضي والقفز عليه واستشراف مستقبل جديد باعتبار ما سيكون بعد التعديل الوزاري المرتقب، وليس ما كان في الماضي ، فمما استقر عليه الحال طوال عديد التشكيلات الحكومية، أن من يستوزر لا يفقد منصبه ( بأخوي وأخوك ) فمن لم يُستبق في وزارته يُنقل إلى غيرها، ومن يغادرها بعد طول مكوث لن يخرج منها ( فالصو أباطو والنجم ) ولا ( يركب التونسية أو الظلط ) بل يركب في مفوضية أو استشارية أو رئاسة مجلس ادارة أو سفارة أو أمانة حزبية وهلمجرا من هكذا وظائف، ومن النادر جداً أن تجد أحدهم قد لزم داره وتفرغ لأعماله الخاصة أو عاد إلى مهنته القديمة، بل حتى ان بعض من يغادرون الوزارة أو الولاية مغاضبين ويلوذون على سبيل الاحتجاج بمزارعهم وبساتينهم أو تجارتهم واستثماراتهم، لن يبقوا على هذا الحال الذي اختاروه بمحض ارادتهم إلا بعض الوقت فسرعان ما يُعادون إلى الخدمة الوزارية أو الولائية. ظل هذا هو الحال حتى صار سنة ماضية، ولعلنا بسبب هذه الممارسة استعدنا ذكراها على مشارف التشكيلة الحكومية المزمعة …