العصيان.. آخر أسلحة المعارضة نهاية المفعول والصلاحية

 محفوظ عابدين

محفوظ عابدين

إنتهت الحملة الإسفيرية المسعورة التي دعت الى العصيان الاثنين الماضى انتهت بخيبة أمل كبيرة ، وعادت تلك الحملة على قادتها خاسئة وهي حسيرة ، حين خرج جميع أهل السودان وفي كل ولاياتهم وفي ولاية الخرطوم مركز الاهتمام الاعلامي والسياسي والدبلوماسي ، خرج جميع أهل السودان يباشرون أعمالهم في صباح باكر ، لم يعكر صفوه أي شيء كان يتوقعه قادة الحملة الاسفيرية في صباح يوم أمس الاول الذي صادف إعلان الاستقلال من داخل البرلمان ، وهو يوم وطني ، وكانت اولى مظاهر الاحتفال بهذا اليوم تلك اللوحة الجميلة التي رسمتها القوات النظامية عند المكان الذي شهد اعلان الاستقلال من داخل البرلمان ، وهو المجلس التشريعي لولاية الخرطوم بشارع الجمهورية ، كانت تلك اللوحة هي محل إعجاب الكثير من المواطنين المتجهين الى مواقع عملهم ان كانوا في ترحيل خاص او بالمواصلات العامة ، فقد كانت التعليقات لذلك المشهد الجميل والتشكيلات التي حاكت ذلك اليوم المجيد في تاريخ السودان الممتد بالبطولات بالرضاء التام والفرحة بمثل هذا اليوم ، وكانت تلك اللوحة هي التي أطلقت رصاصة الرحمة على نهاية العصيان والذي اصلا لم يقم على سيقان حقيقية او قوية في بدايته قبل ان تتبناه عدة جهات.وكانت كل المؤشرات تدل على ان العصيان الذي قادته تلك الحملة الاسفيرية لن ينجح ولن يكون له أثر في الحركة العادية والطبيعية في مدن وأرياف السودان ، بل القراءة الطبيعية لمجريات الاحداث كانت تدل على ذلك ، ومن هذه المؤشرات
ان حركة طلاب مدارس الاساس ومدارس الثانوي كانت عادية حتى ان ترحيلات رياض الاطفال كانت منتظمة لان الناس كانت في الدعوة الاولى التي كانت في نهاية الشهر الماضي ، اختلط عند البعض العصيان بالمظاهرات وكانت هذه قد جعلت حالة الترقب حاضرة في الدعوة الاولى ، وان الخوف على الاطفال او الممتلكات قد عزز من هذا الشعور لدى بعض الاسر ، ولكن هذا التوجس لم يكن حاضرا في الدعوة الثانية للعصيان ، بل ان انتظام حركة العمل والدراسة وطبيعة الحياة في مدن وارياف السودان وخاصة الخرطوم ،أكد ان دعوة العصيان قد فشلت تماما ، وان المواطن استطاع ان يميز ،ان تلك الدعوة لم تتبناها اي جهة في المرة الاولى وان كانت هنالك جهات تقف وراءها من اجل انجاحها ، لتجد تلك الجهات الفرصة للقفز على سرج الاحداث وقيادة الامر في حالة التجاوب مع الدعوة ولكن اسقط الامر في أيديهم من المرة الاولى وكذلك الثانية .
وحاولت تلك الجهات التي تقف وراء هذه الحملة الاسفيرية الاستفادة من نجومية المبدعين ان كانوا من نجوم الصحافة او الشعر او الفن او بقية الفنون ـ لتعطي دعوتها بعدا اخر بتوظيف النجومية لهذا الغرض وأمتلأت المواقع بالقوائم من الشعراء والصحافيين والمبدعين الذين يدعمون دعوة الاعتصام ، في محاولة اشبه بالعملية التسويقية التجارية التي تزخر بها الاعلانات التجارية مستعينة بنجومية الفنانين او لاعبي كرة القدم للترويج لمنتجاتها، وحاولت تلك الجهات الاستفادة من هذا الامر في تسويق عمل سياسي او تسويق فكرة العصيان من خلال تلك القوائم للصحافيين والشعراء ودعت الى كتابة المزيد من أسماء هؤلاء ، ولكن لم يدر قادة الحملة الاسفيرية ان النجومية لا تعني الشعبية او ان النجومية يمكن ان تكون محفزا للترويج كما في السلع التجارية ، وهنالك شواهد ان النجومية ليست كل شيء خاصة في مثل هذه الامور، ولعل الشاهد العالمي على ذلك هو ان نجم ليبيريا «عبيدي بيليه» الذي تغنت به الملاعب الاوربية وكتبت عنه الصحافية العالمية وصار حديث الجمهور الرياضي في كل قارات العالم ، حتى داخل بلاده كان محل فخر واعزاز لكل ليبيري او حتى افريقي ، ورغم الهالة الاعلامية الكبرى التي كانت تحيط به ، ورغم المجد الكبير الذي حققه في الرياضة الاكثر شعبية في العالم ، الا انه لم يستطع الفوز برئاسة الجمهورية عندما رشح نفسه لهذا المنصب ، ولم تنفعه تلك النجومية ولا ذلك المجد الكبير الذي حققه في كرة القدم.
وفي السودان ايضا لم تفلح النجومية في ان تدخل نجما كبيرا في سماء الشعر السوداني لم تمكن ذلك الشاعر من دخول البرلمان في انتخابات 1986م في احدى دوائر امدرمان في الثورات عندما فاز مرشح حزب الامة القومي خالد محمد إبراهيم على الشاعر المعروف محجوب شريف .
والامر الذي فات على قادة الحملة الاسفيرية التي دعت الى العصيان في يوم وطني مثل يوم أمس ، ان هؤلاء الشعراء والصحافيين و المبدعين في مجالات الفنون المختلفة ملك لكل الناس، ان المبدع مثل الطبيب والمهندس والمحامي فهم يعملون لكل الناس دون فزر سياسي او أيدولوجي وان الابداع لا يفرق بين الناس.
وكانت هذه واحدة من دواعي فشل هذا العصيان بالاضافة الى اسباب اخرى ادت الى فشل هذه الدعوة مثل تبني الحركات المسلحة الى هذه الحملة وايضا مجموعة «الملحدين» التي دعمت الدعوة الى الحملة الاسفيرية وكانت هذا قاصمة الظهر لان الشعب السوداني ممكن ان يأخذ او يعطي في كل المسائل الا أمر الدين فهذا خط لا يمكن تجاوزه «كمان جابت ليها إلحاد» اعوذ بالله.
الدعوة الاسفيرية للعصيان حملت بذور فناء دعوتها في داخلها عندما ضمت الحركات المسلحة والملحدين ، ولم تكن تحتاج لجهد كبير.
كانت زيارات الرئيس البشير لولايتي كسلا والجزيرة ومخاطبة جموع اهل الولايتين بحديث واضح وصريح وصادق وافتتاح الكثير من المشروعات الخدمية والتنموية، كان له الأثر الأكبر في ان تجد الدعوة الاسفيرية الثانية الرفض التام والكامل من الشعب السوداني، تلك الحملة التي تم تنظيمها وقيادتها من خارج السودان من بعض الدول القربية والبعيدة ، في محاولة جديدة لاستهداف السودان، ولكن يبقى السؤال المهم أين وزارة الاعلام من هذه الحملة ولماذا لم تتعامل معها بنفس القدر الذي يدفعها من الخارج واين ملحقيات السودان الثقافية والاعلامية خاصة وان تلك الملحقيات موجودة في أرض الحملات الاسفيرية وهو ميدان خارج السودان وليس داخله، وكان يمكن لهذه الملحقيات ان تلعب دورا كبيرا في الرد على كل هذه الحملات الاسفيرية ومجابهتها بالمعلومات والحقائق التي لا تقبل ردا ولا نفيا، لان الحملة المعادية اصلا قامت على حديث مكذوب نقلته احد وكالات الأنباء العالمية من خلال مخاطبة البشير لجماهير ولاية كسلا، وكان لزاما على هذه المحلقيات ان ترد بما تملك ومن وسائل وما هو متاح لها بحسب دورها ولكن يبدو ان هذه الملحقيات فضلت التجاهل وهذا يقدح في دورها ومهنيتها، وما قام بها الاعلام المقروء بالداخل كان له الاثر في معالجة النقص الواضح و الفراغ الذي احدثته هذه الملحقيات، وكانت الاعمدة والمقالات التي كتبت في الصحافة السودانية وجدت حظها من الانتشار في الاسافير فكانت ترياقا لكل السموم التي كانت تبث من الخارج وموجهة الى الداخل، فهذا الامر يجعل النظر في أمر هذه الملحقيات امرا واجبا وضروريا تتطلبه الظروف التي يعيشها العالم والسودان في ظل الاعلام الجديد.
ان الحملة الاسفيرية التي دعت الى العصيان والتي تبنتها المجموعات المسلحة والمجوعات الإلحادية قد فشلت ولم يعد لها اي مفعول وانتهت صلاحيتها بالختم الممهور من الشعب السوداني.