الموت الدماغي …. غيبوبة سرمدية تثير الجدل

تحقيق : هويدا المكي

alsahafa-21-12-2016-65 alsahafa-21-12-2016-68 alsahafa-21-12-2016-63كان يرقد ممدا في غرفة العناية المكثفة وقد تخللت جسده محاقن الأجهزة الطبية الكثيرة بعضها عبر الفم واخري من خلال الأنف وثالثة تم حقنها بين الضلوع .. ظل على هذا الحال منذ اكثر من ستة شهور لم يفقد فيها اهله الامل بأن يتجاوز هذه المحنة التي طالت منذ ان اصيب بجلطة في الرئتين ونزيف المخ الذي ادى الي توقف قلبه عدة لحظات ثم عاد ثانية نبضه بشكل شبه طبيعي.
هكذا هو يرقد واهله ينتظرون ان يستفيق من ثباته العميق بين لحظة واخري ، يأتي تقرير الأطباء بان المخ لا يرسل اشارات الحياة ولكن قلبه ينبض وبقية اعضائه تعمل بشكل شبه طبيعي تسانده الأجهزة الطبية المساعدة في التنفس والغذاء والاخراج وقد نشر الأطباء مجسات على جسمه لقياس نبض القلب واستجابة الجهاز العصبي بعيدا عن المخ لكن لا يدري احد متى يفيق ؟
حالة توصف طبياً بالموت الدماغي وهي حالة يفقد فيها المخ رغبة الحياة ويتوقف عن التعامل حتي مع أجهزة الجسم الطبيعية لا احد يدري هل المريض من الاحياء ام انه مع الاموات ؟ الأجهزة الطبية المساعدة تقوم بعمل ادارة شئون الجسم في انتظار ان يفيق المخ من ثباته.
الناس والأطباء محتارون في تصنيف الحالة هل هذا الجسد ميت ام انه حي ؟ وماذا سيحدث اذا سحب الأطباء أجهزتهم ؟ اهو جرم حقيقي تقول حيثيات الاتهام فيه ان الجميع حكموا على المريض بالموت ؟ ام انهم انهوا عملية حياة تقوم على الأجهزة الطبية وليس المخ ؟واول امس اثارت قضية نزع الأجهزة الطبية ونقل الاعضاء من الموتى في المؤتمر العالمي الاول للطب العدلي والعلوم الطبية العدلية جدل فقهي وطبي يدور حول حالات الموت الدماغي وطرح تساؤلات متعددة حول من يقرر الوصف الحقيقي في جوانبه الشرعية والطبية ، حيث طالب متداخلون خلال جلسات المؤتمر باصدار قانون يجيز نقل الاعضاء بعد موافقة من ذوي المريض بناء على فتوى تبيح ذلك فيما رفضت هيئة علماء السودان نزع أجهزة المريض الذي دخل في غيبوبة الا بشروط ، وقال ممثل الهيئة ان الاشكال الشرعي الكبير جدا بين فقهاء العصر يكمن في جواز نزع الأجهزة من المريض الذي ثبت موته دماغيا، وقال «يجوز نزعها باثبات موت جذع دماغه من ثلاثه أطباء ثقاة وعدول »، وطالب بوجود قانون يدعم ذلك.
وفي ذات السياق استنكر نائب رئيس قسم العناية المكثفة بمجلس التخصصات الطبية دكتور طارق الهادي معاقبة الأطباء في حال نزع الأجهزة بقانون 1991م القتل العمد ، واضاف طارق ان مفهوم اثبات الوفاة بتوقف القلب ليس دقيقا لانه لاينبض حتي خارج الجسد يظل ينبض واعتبر تلك آية من آيات الله الموت لايتحقق الا بفصل جذع الدماغ عن الجسد، لافتا الي انهم أطباء يعانون يوميا من افهام ذوي المرضى ان موت جذع الدماغ مع ان القلب ينبض لايعني الحياة لكنه اقناع دون فائدة فتظل الأجهزة معلقة بالمريض في حين ان مرضى اخرين يموتون وهم بحاجة لتلك الامكانات المتوفرة لدي شخص لا امل في افاقته ، معتبرا قرار فصل الأجهزة لاعلان الوفاة من اصعب اللحظات على الطبيب لكن لابد منها .
وقال عضو مجمع الفقه الإسلامي حسن الهواري ان نقل الاعضاء من الميت دماغيا لا تتم الا باقناع اهل المريض اولا وان ذلك يعني الوفاة ومن ثم تنزع الأجهزة واعتبر ذلك فيه اشكال كبير من ناحية الشرع اما في حكم اخضاع المريض لأجهزة الانعاش يضع الهواري حالات لا يجوز فيها انعاش المريض كأن يصل للمستشفي متوفيا وفاة عادية او ان الأطباء يقولون بان المريض لا تنفعه الأجهزة او ان يكون المرض مستعصيا ، وفي انعاشه تضييع للوقت وفي هذا الحال قال الهواري لا يلتفت الي اهل المريض لان في ذلك ارهاقا لهم .
لم يتوصل المشاركون الي حلول وسطى للقضية واتفقوا على ضرورة اصدار قانون يجيز نقل الاعضاء من ذوي المريض واصدار فتوى تبيح نقل الاعضاء منهم فيما رفضت هيئة علماء السودان نزع الأجهزة من المتوفي دماغيا .
«الصحافة » طرحت تساؤلاتها على بعض المختصين من ناحية طبية وشرعية اذ يقول الشيخ محمد أحمد حسن ان الامر يرجع الي ذوي القربى من اهل الميت دماغيا ، مبينا انه منذ فترة أتت اليه امرأة تريد فتوى في امر زوجها المتوفي دماغيا لشهور عدة وسألتني هل عليها ذنب اذا سمحت للأطباء بنزع الأجهزة من زوجها المتوفي دماغيا ؟ لقد فقدت الامل في حياته ونفد ما لديها من اموال للصرف عليه داخل المستشفى التي يرقد فيها ، فقال لها بان لا ذنب عليها وهذا بناء على فتوى اصدرها مجمع الفقه السعودي بجواز نزع الأجهزة من المتوفي دماغيا..
مساعد الأمين العام لهيئة علماء السودان السابق حيدر التوم قال ان هنالك بعض المشكلات الفقهية حول الموت الدماغي اذ تبرز العديد من الاسئلة حول من له الحق في اولياء المريض باتخاذ قرار رفع الأجهزة اي مايسمى فلسفيا بخروج الروح ؟ وماذا نفعل اذا انقسم اولياء الشخص بين مؤيد ورافض ؟ اضافة الي بروز مشكلة تأتي في المستقبل وهي مشكلة فقهية يجب الانتباه لها لان الفقه هو علم الحال والافتراض فمثلا هنالك شخص قرر الأطباء ان حالته ميؤوس منها وانه في حكم الميت سريريا ويعيش بالأجهزة فالمشكلة تكمن اذا كان لديه ابناء ومن بين احد ابنائه مريض بداء عضال وان الأطباء قرروا بناء على حالته الصحية وتقديراتهم الطبية وخبراتهم بانه لا يعيش اكثر من ستة اشهر لذلك اذا تم خلع الأجهزة من ابيه في هذه الفترة سوف يرث هذا الابن المريض اما اذا لم يتم رفع هذه الأجهزة الا بعد مضي الستة اشهر وامكان حدوث وفاة الابن المريض فانه لا يرث من ابيه لهذا قد ينشب نزاع بين اولاد المصاب في ميعاد نزع الأجهزة لذلك يجب اصدار رأي فقهي في موضوع الميراث ومتي يكون قبل تشخيص الحالة او عندها ما يستوجب تحديد كيفية الموت السريري وهو امر يحدده الأطباء ، اما متي ومن يصدر فالامر يحتاج الي اجتهاد واخذ كل الامور المحيطة والتي قد تكون لها آثار في المستقبل.
وتحدث مدير طبي مشرحة الخرطوم الدكتور صابر مكي حسن «للصحافة » في توصيفه لحالة الموت الدماغي بانه الانعدام غير المرجوع للوظائف الحياتية بجذع المخ بسبب خراب فجذع المخ هو المسئول عن حفظ التنفس والدورة الدموية ، والخراب قد يكون جزئيا او كليا وفي حالة الخراب الكلي التي تثبت بالفحص والتشخيص الدقيق يكون بعدها اعلان ان الشخص قد توفى ويمكن استخراج شهادة له اذا كانت الوفاة طبيعية .
ويمضي دكتور صابر الي ان هنالك شروطاً لاثبات حالة الموت الدماغي وهي ان يكون الشخص في غيبوبة عميقة وتحت أجهزة التنفس والدعم الاصطناعي ولايمكن ايقاف أجهزة الدعم الاصطناعي عن الشخص باثبات ان حالة الغيبوبة العميقة ادت الي الوفاة الا تحت شروط منها تحديد سبب الغيبوبة لاستثناء حالات الغيبوبة التي يمكن علاجها ومن تلك الاستثناءت الغيبوبة بسبب انخفاض في درجة الحرارة بان تصل الي 35درجة وهذه تكون في حالة الغرق والتجمد وفي هذه الحالة لايمكن اعتبار المريض قد دخل في حالة الموت الدماغي الا بعد ان يعمل الأطباء على رفع درجة الحرارة ، والاستثناء الثاني الغيبوبة الناتجة عن الادوية حيث يتم فحص عينة من الدم للادوية خصوصا الادوية التي يساء استعمالها مثل المخدرات او التي تستعمل بغرض الانتحار «كالبندول والاسبرين »وكذلك الكحول كما هنالك غيبوبة لاسباب استقلابية مثل غيبوبة الفشل الكلوي والكبدي اضافة الي الاسباب الغددية كغيبوبة هبوط الغدة النخامية في قاع المخ والغدة الدرقية في الرقبة والغدة فوق الكلوية وهنالك ايضا استثناء لغيبوبة هبوط السكر او الغيبوبة الناتجة عن مرض السكري .
وللتأكد من اثبات حالة الموت الدماغي هنالك شروط اساسية اولا يجب ان يكون الانسان تحت جهاز التنفس الاصطناعي بمعني انه يحتاج الي دعم كامل لابد ان يتم الكشف عليه من قبل الاختصاصيين في مجال التخدير والعناية المكثفة والمخ والاعصاب ولايحبذ التشخيص من قبل جراحي نقل الاعضاء في اثبات هذه الحالة وان يقوم كل طبيب بالكشف على المريض مرتين في اوقات متباعدة بعد ذلك يتم كتابة تقرير باثبات حالة الخراب في جزع المخ والموت، بعد ذلك يمكن نزع أجهزة الدعم الاصطناعي، مبينا ان هنالك حالات خلافية في حالة الغيبوبة لايجوز رفع أجهزة الدعم عن المريض فيها وهي حالة الحياة المعلقة في هذه الحالة من الناحية التركيبية المخ سليم ولكن هنالك خلل وظيفي مؤقت بالدماغ نتيجة لتعرض الدماغ لأذي ضاغط واذا تمت معالجته يمكن ان يرجع للحياة والحالة الثانية هي حالة استمرارية الحالة الخضرية وهي ان يكون هنالك خلل كبير بالقشرة المخية نتيجة لاصابة او مرض ويصبح الانسان فاقداً للادراك والارادة وتصرفاته انعكاسية برد الفعل البدائي وفي هذه الحالة قد يكون الانسان يتنفس بشكل طبيعي او غير محتاج لأجهزة الدعم الاصطناعي ولكنه غير مدرك ، اما الحالة الانغلاقية هنالك خراب جزئي لجزع المخ خاصة منطقة الجسر وفي هذه الحالة يكون الانسان مصاباً بشلل كامل لكل عضلات الجسم وهو يستطيع ان يسمع ويدرك لكنه لايستطيع ان يرد او يبدي انفعالا وفي هذه الحالة لايمكن سحب الأجهزة.
و لمجمع الفقه السوداني فتوى تجيز نزع الأجهزة تحصلت «الصحافة» على نسخة منها ويحوي نصها الآتي «نحن مجمع الفقه الإسلامي نفيدكم بأن الدائرة المختصة في اجتماعها رقم 8/د/ 1431ناقشت الموضوع وبعد التداول والاستماع لرأي المختصين خلصت الي الآتي :ـ موضوع الموت الدماغي نوقش باستفاضة شديدة من جانب الأطباء والفقهاء داخل وخارج السودان والرأي الراجح عند جمهور العلماء هو ان الموت الدماغي يعتبر موتا ، وتجري على المتوفي احكام الموت وترفع عنه أجهزة الانعاش بالشروط المحكمة المتفق عليها بين العلماء.
وفي المؤتمر العالمي الثالث لعلوم طب القلب حذر مختصون من نزع الأجهزة عن المتوفي دماغياً، حيث يري هؤلاء بان عضلة القلب مازالت تنبض، ولأن الأمور دائماً متعلقة بإرادة الله وقدرته – فإن كل شيء جائز حسب ما يقدره الله للمريض، واضاف الرافضون لنزع الأجهزة عن الميت دماغيا الي أن المؤسسات العلاجية في اوروبا وامريكا لا تقوم بنزع هذه الأجهزة عن المتوفي دماغياً إطلاقاً، قد يتوقفون عن إعطائه بعض الأدوية مثل العلاج الكيميائي ولكن لايتم نزع الأجهزة إلا بموافقة ذويه وربما احتاج ذلك استئذاناً من المحكمة، وللامر إجراءات طويلة، فالقضاة لا يرون نزع الأجهزة عن المتوفي دماغياً إذا كان القلب يعمل، مؤكدين أن المريض تحت -رحمة الله- طالما القلب يؤدي دوره ولو بمعاونة الأجهزة ، أن بقاء الأجهزة على المريض لها فائدة في استمرارية بقاء المريض على قيد الحياة، ونزعها يؤدي إلي الوفاة، ، وعلى الرغم من أن هناك فرقا بين الإغماءات الطويلة والموت الدماغي، إلا أن الميت دماغياً قد يأخذ وقتا طويلا أو قصيرا حتي يغدو الموت حقيقيا بتوقف القلب، مشددين على أنه لا يجوز نزع الأجهزة دون الرجوع لاهل المريض، لأن ذلك يعتبر مخالفة يعاقب عليها الطبيب والطاقم الطبي ويعامل على أنه قتل متعمد.
وعلى الرغم من ان الاختلاف لازال مستمرا في حالة توصيف اثبات الموت الدماغي فان الراجح الوقوف عند اثبات الاستثناءات باعتبارها حالات غير مكتملة الموت ولكن فان الامر كله يخضع في عملية المعيار الاخلاقي وقيم الدين في منح الحياة او سحب الأجهزة والايصال لحالة الموت التي تعني في بعض الاحيان ازهاق روح يعجز صاحبها عن رد الآخرين عنه.