الشعب يطلق رصاصة الرحمة :19 ديسمبر 1955.. و فشل العصيان.. تشابك عصي الساسة والمسلحين

تقرير: متوكل أبوسن

alsahafa-21-12-2016-32 alsahafa-21-12-2016-31 alsahafa-21-12-2016-30خيوط عديدة تشابكت بين القوى السياسية «حكومة ومعارضة» مع احتفالات البلاد امس الأول بذكرى إعلان الاستقلال من داخل البرلمان 19 ديسمبر 1955م ، كل يحاول ربط نفسه بالحدث الذى يعد علامة فارقة فى تاريخ السودان وملحمة وطنية ابطالها الرعيل الاول لصناع الاستقلال توحدت فيه إرادة الشعب السوداني خلف راية الانعتاق من نير الاستعمار وسطوته.
الرهان على العصيان
ويبدو المشهد اقرب وضوحا وقوى المعارضة بشقيها السياسي والمسلح قد انتبذت الشبكة العنكبوتية وتطبيقاتها المختلفة ساحة لمعركتها الفاصلة مع الحكومة بغية اسقاطها واهالة التراب على 27 عاما من عمرها ،مجاهرة بتبنيها لدعوة العصيان المدنى بهدف شل حركة الدولة بتحريض المواطنين على البقاء فى منازلهم كخطوة اولى فى مشوار اسقاط النظام بعيدا عن صناديق الاقتراع ـ هكذا تحدث بيانات القوى المعارضة السياسية والمسلحة .
ولاضفاء مزيد من اجواء الثورية والشرعية بعلو كعب حجتهم امام الشعب لتحريضه على التفاعل مع ما سوقوا له اختاروا يوم امس الاول «الاثنين» متلبسين روح الرعيل الاول.
ولكن مع بزوغ فجر يوم امس الاول «الاثنين» بدأت الصورة تتضح رويدا رويدا عن ملامح يوم لم تختلف قسماته عن سابقاته من الايام معلنا عن فشل مسعى قوى المعارضة التى قالت انها تريد منه يوما تاريخيا يوازى التاسع من سبتمبر 1955،
جموع المواطنين بمختلف شرائحهم بولاية الخرطوم وهى تهرع الى اماكن عملها ، يبدو انها اطلقت رصاصة الرحمة على مسعى قوى المعارضة باعتراف قادتها الذين طفقوا يبحثون بين ركام الاحداث عن طوق نجاة يخرجها من عنق زجاجة دخلوها طواعية يراهنون على شعب ربما لم يمنحها الضوء الاخضر.
مكبرات الصوت فى مؤسسات التعليم العام علت مرددة نشيد العلم وصدحت اذاعاتها بالاناشيد والاغاني الحماسية مذكرة بلحظة تاريخية مازلنا نتفيأ ظلالها اليوم .
القيادى بحزب الامة حسن اسماعيل فند اسباب فشل العصيان المدنى الذى دعت له قوى المعارضة ،مؤكدا فى ندوة الاستقلال معان تتجدد ومقاصد تتحقق التى نظمها المؤتمر الوطنى بولاية الخرطوم امس الاول «الاثنين» باستاد الخرطوم ان ابرزها عجز قوى المعارضة فى الاجابة عن السؤال حول البديل المطروح ،مشيرا الى انها تخشى الاجابة على السؤال الاهم ، وتساءل ماذا اعد الرافضون للحكومة الحالية للديمقراطية الرابعة وهل تمارس هذه الاحزاب ديمقراطية فى داخلها، واجاب: لا وفاقد الشيء لا يعطيه.
ومضى اسماعيل الى ان وقوف الشعب السودانى مع الحوار الوطنى وصبره على الحكومة ووعيه يتطلب منهم مضاعفة الجهد عرفانا له، محذرا من ان سقوط النظام بالقوة سيحرم الشعب السودانى من فرصة الاختيار، ساخرا من التجربة الحزبية السودانية وتساءل: ما هو البديل الذى قدمه الحزب الشيوعي بعد وفاة زعيمه محمد ابراهيم نقد ،وما هو بديل الحزب الاتحادي الديمقراطى ، وبديل حزب الامة القومى ،وتابع : لماذا اصبح رحم الاحزاب معطوبا والاحزاب تتحكم فيها قيادات وصفها بالتسعينية .
الرهان على الحوار الوطنى
وفى الضفة الاخرى، بدأت الحكومة ومن خلفها المؤتمر الوطنى الحزب الحاكم والقوى المؤتلفة معه ، اكثر ارتياحا لنتائج معركة وان كانت اسفيرية الا انها مخاض شد وجذب انتقل بشكل مفاجئي من مسارح العمليات ودور المثاقفة والرؤى الى الشبكة العنكبوتية وابرز مساراتها تطبيقا «الواتساب» و «الفيس بوك» .
بتمحص ما حل بالعصيان المدني لعل اشارات بان الغلبة كانت فيه للحكومة وقوى الحوار الوطنى وهى تراهن على مبادرة الحوار الوطنى التى اطلقها رئيس الجمهورية المشير عمر البشير ووقفت بعيد اجازة مخرجاته النهائية والتوقيع على وثيقته الوطنية فى العاشر من اكتوبر الماضى عند باب تشكيل حكومة الوفاق الوطنى بوصفها احدى استحقاقاته ايذانا بالبدء فى تنفيذ مخرجات ستة ملفات مثلت خلاصة واجماع 84 حزبا و34 حركة مسلحة تحلقوا فى قاعة الصداقة بالخرطوم لنحو اربعة اشهر بحثا لازمات الدولة السودانية .
القوى السياسية سخرت من فشل دعوة العصيان التى تبنتها قوى المعارضة من الاحزاب والحركات المسلحة ، وباهت بتجربة الحوار الوطنى التى عدوه المخرج من ازمات البلاد ،وفيما هدد المؤتمر الوطنى بقطع يد كل من يسعي لتدمير البلاد ،قلل المؤتمر الشعبي من دعاوى اسقاط النظام عبر قوة السلاح او العصيان المدنى.
القيادى بالمؤتمر الشعبي د. بشير ادم رحمة فى ندوة الاستقلال اكد موجها حديثه لحملة السلاح ان النظام القائم لم يسقط بالقوة حينما تكالبت عليه دول الجوار مجتمعة وانه اليوم اقوى مما كان عليه فى «التسعينات» ، مشيرا الى ان زمان سقوط النظام القائم بالقوة قد ولى واستطرد : لكن بالحوار يمكنكم ان تكونوا ملوكا على الشعب السودانى فتعالوا الى كلمة سواء .
رحمة قال انهم يجتمعون اليوم للاحتفال بذكرى الاستقلال والبلاد تعيش «جوا جديدا» بدأ بعد انطلاقة الحوار الوطنى الذى اكد انه يصلح كاساس لبناء دولة قوية ترتكز على التراضى واحترام الاخر ،وعلق : هذا لا يتم الا فى جو من الشورى والحرية والعدالة.
وقطع بشير بضرورة اغلاق باب الوصول للسلطة بالبندقية ،محذرا من ما حاق ببعض دول الجوار من حروب واقتتال والارتهان للاجنبي ،مشددا على ضرورة استغلال خيرات البلاد.
ودعا بشير ، رئيس حزب الامة القومى الصادق المهدى للعودة للبلاد مؤكدا انه اكرم لـ «المهدى » العودة وان حبس فى سجن كوبر من البقاء متنقلا بين فنادق العواصم الاجنبية ،وقال مخاطبا المهدى : انت هنا اكرم لك وان كنت فى سجن كوبر من التجول بين فنادق الدول الاجنبية ،مشيرا الى انه سبق وان دعا المهدى للعودة فى العام 2014 بالعاصمة الاثيوبية اديس ابابا .
ونبه بشير الى ان رسالته لرئيس الجمهورية المشير عمر البشير والحكومة الحالية ان ابقوا مع شعبكم وطئوا اكنافكم قودوه كقيادة لكل شعبه وليس لعضوية المؤتمر الوطنى فقط ـ بحسب تعبيره.
«الوطنى» يهدد
نائب رئيس المؤتمر الوطنى بولاية الخرطوم محمد حاتم سليمان هدد بمواجهة كل من يريد تدمير السودان ،مشيرا الى انهم يحتفلون بذكرى الاستقلال والبلاد تعيش فى اجواء توافق واتفاق مع القوى السياسية والحركات المسلحة الموقعة على الوثيقة الوطنية.
وقلل حاتم من دعاوى العصيان المدنى ،وقال : جئنا استاد الخرطوم ووجدناه ممتلئا ضد العصيان و «كيتا» فيه، مؤكدا ان رسالته لدعاة الفوضي والعصيان : عصيان فى عين العملاء والمأجورين ومن باعوا الوطن والدين .
وودمغ حاتم دعاة العصيان بمحاولة افساد الاحتفال بذكرى الاستقلال الذى قال انه اجمعت عليه كل الامة السودانية باستثناء حزب واحد مشيرا الى تكرر المشهد بالاجماع على الحوار الوطنى باستثناء حزب واحد، وقال: نقول لهؤلاء نحن مع استقرار السودان والعصيان دعوة براميل فارغة.
واتهم حاتم قوى المعارضة بترويج الاشاعات الكاذبة لاحداث البلبلة ،واصفا دعوات العصيان عبر «الاسافير» بالفارغة غير الموجودة فى ارض الواقع وان الرد بفشل العصيان جاءهم من شعب ولاية الخرطوم بانتظام مدارسه ومواقع عمله وهيئاتها واحتفالها باعياد الاستقلال.
حزب الامة يحذر
القيادى بحزب الامة حسن اسماعيل قال ان رسالته لدعاة العصيان ان «كفارة»، داعيا للخروج مما اسماها بالمعادلة المعطوبة وهى الدعوة لاسقاط النظام السياسي ،ورأى ان الحل فى اصلاح النظام السياسي ومعالجة عيوبه لا تغييره.
وهاجم اسماعيل قوى المعارضة وقيادات الحركات المسلحة الرافضة للحوار الوطنى والتسوية السياسية، وقال: عرمان وعبد الواحد ساندا العصيان ببيانات لانهما يريدانها ساى ، واضاف : هؤلاء ما جاءوا الى السلطة الا عبر التسوية السياسية الثنائية ويريدون الان تسوية ثنائية مثل نيفاشا او المصالحة فى العام 1977 ، وتابع : لكن لن تكون هناك نيفاشا 2 ولا مصالحة 77 ،داعيا الى ضرورة اعمال النظر لمعرفة اسباب تكرار فشل الدعوة لاسقاط النظام.
19 سبتمبر 1955 جرد حساب
القوى السياسية المشاركة فى الحوار الوطنى وهى تعيد ذكرى اعلان الاستقلال من داخل البرلمان ،شبهت ما خطته عقولها وايديها بانه بمثابة فجر جديد ربما يضاهى ما صنعه الاوائل بجدلية ان من مضوا وقفوا عند حد الانعتاق الجزئي من الاستعمار الذى قالوا انه ظل جاثما اجتماعيا واقتصاديا وان غادر بعسكره وجحافل جيوشه ارض السودان.
هو اتهام بدا لامعا فى ندوة الاستقلال معان تتجدد ومقاصد تتحقق التى نظمها المؤتمر الوطنى بولاية الخرطوم امس الاول «الاثنين» باستاد الخرطوم.
واخذ المتحدثون فى الندوة على التجربة السودانية عجزها فى اطفاء نار الحرب التى اشتعلت فى العام 1955 ،وعدم القدرة على ادارة التنوع واستغلال الثروات ،وتكريس السلطة .
القيادى بحزب المؤتمر الشعبي د. بشير ادم رحمة فى كلمته ،قال ان الاستقلال الحقيقى ليس رفع العلم وانزال علم المستعمر وانما الاستقلال من ارث المستعمر الذى قال انه قضى على ارث الثورة المهدية التى كانت تحكم بالاسلام ،مؤكدا ان الاباء الاوائل انشغلوا برفع علم السودان ولم يلتفتوا الى تأثير الاستعمار الاقتصادى والاجتماعي.
ممثل حزب التحرير والعدالة عمار زكريا اكد ان ازمات السودان بدأت قبل رفع علم الاستقلال واندلاع الحرب فى جنوب السودان 1955 من قبل قوات الانانيا 2 المتمردة ،مشيرا الى ان الحكومات المتعاقبة لم تستطع ادارة تنوع البلاد واستغلال ثرواتها.