غول نقاط التحصيل

480نأمل أن تكون الازالة التي طالت سبعاً من نقاط التحصيل الرابضة والمتربصة على امتداد طريق الخرطوم كسلا حلفا الجديدة ،هي البداية الجادة لوضع حد نهائي لهذا الغول المرعب الذي لا يشبع مثل نار جهنم، فحكاية الجبايات عبر هذه النقاط المتمددة على طول الطرق ، ظلت لآماد طويلة حكاية بلا نهاية، مثلها مثل رؤوس الغول كما في الأسطورة الشعبية، كلما قطع له رأس نبت مكانه رأس جديد، أو مثل القط بسبع أرواح كما في المثل العربي الشهير، وذلك لقدرتها التي تماثل قدرة القط في عدم السقوط، إذا أمسكت بأي قط وقذفت به عالياً بكل قواك ستفاجأ به وقد استوى على الأرض واقفاً على رجليه، وهكذا أيضاً هذه الجبايات، كلما حاول البعض في الحكومة من أصحاب القرار قذفها من الباب، أعادها البعض الآخر في الحكومة من الشباك، وهذا ما يفسر بقاءها حتى الآن بل وإنشاء الجديد منها…
ومن كثرة ما صدر من قرارات وتوجيهات وأوامر وتعليمات سابقة بإلغاء كافة الرسوم والمكوس والجبايات غير القانونية وغير الشرعية من كافة المستويات السلطوية، ومن كثرة ما كُوّن لهذا الغرض من لجان مع بقاء الجبايات ليس على حالها في الرسوخ والثبات فحسب، وإنما بحلول أخرى جديدة تنضم كل حين إلى المسيرة الجبائية القاصدة، لم يعد أحد يثق في أي محاولة جديدة ولا ينظر لأي لجنة تكوّن إلا على أنها لجنة لقتل الموضوع جرياً على السنة الحكومية الماضية (إذا أردت أن تقتل موضوعاً كوّن له لجنة)، فقد أصبح الناس يتندرون على مثل هذه المحاولات واللجان وصاروا كلما سمعوا بقرار أو لجنة من هذا القبيل صاحوا ساخرين (ابشري بطول سلامة يا جبايات)، إذ إنهم خبروا بالتجربة العملية خبايا هذه اللجان والقرارات التي لم تكن تعني شيئاً في النهاية غير بقاء وتناسل الجبايات وتعاقبها خلفاً عن سلف وجيلاً بعد جيل، إذا انتهى جيل نهض مكانه جيل جديد من الجبايات بمسميات ورسوم جديدة، وهكذا حتى غدت أي محاولة لإزالة وإلغاء هذه الجبايات من رابع المستحيلات، فقد سبق أن كونت الرئاسة العديد من اللجان لمراجعة وضبط الرسوم والجبايات والضرائب التي تفرضها الحكومة نفسها، أي بمعنى آخر (الحكومة تراجع وتضبط الحكومة)، نذكر من تلك اللجان اللجنة التي رأسها مساعد الرئيس حينها نافع علي نافع ولجنة صلاح كرار حين كان وزيراً لرئاسة مجلس الوزراء، ولجنة عوض الجاز حين كان وزيراً للمالية وكل ذلك تلاشى وانتهى إلى لا شيء، وبقيت الجبايات ظافرة منتصرة أبداً، فهل يعني ذلك أن هناك شقاً في الحكومة يعادي الشق الآخر ولا ينصاع للقرارات الرئاسية، وإن لم يكن الأمر كذلك فلماذا لم تنفذ هذه الجهات الحكومية الجبائية عشرات القرارات التي صدرت خلال السنوات السابقة بوقف هذه الجبايات، ولعلنا لكل هذه التجارب الفاشلة نخشى على اللجنة الحالية من ذات المصير حتى يثبت العكس..