السودانيون وقيم التسامح السودانيون فكرهم وثقافتهم

422{ لم يعرف أهل السودان طوال تاريخهم ، بأن فئة معينة تستطيع أن تملي رأيها على الآخرين ، وأشد الذي يكرهه النَّاس في بلادنا هو من تُلمس فيه توجهات التمشدق والإستعلاء ، وهذا الصنف غالباً ما يجعل النَّاس يشيحون بوجوههم عنه ، ويعزلونه فلا يشارك في أفراحهم ، و لا أتراحهم ، و حتى إن كان بينهم ، لرأيتهم يبتعدون عن مجالسته  تأففاً  وإمتعاضاً ، ويتمنون ذهابه فهو كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى .
{ و حسب معرفتي بأنَّ الذي يخلع على نفسه صفة القدسية من العلماء ، ويود أن يقطر الناس وفقاً لما يرى ، هو ليس بعالم ، ذلك لأنَّ الفقه الإسلامي فقه ميسَّر ، تختلف فيه الأحكام ، وإن تشابهت القضايا ، ذلك لأنَّ الظرف والعرف لهما التقدير عندما تستنبط الأحكام .
ممارسة السياسة بين المبادئ والمغانم
{ قد لا يختلف معي أحد إذا قلت بأنَّ السودان يتمتع بثراء سياسي وخبرات في مجال الحكم سواء كان ذلك يتصل بالممارسة الديمقراطية ، أو الأنظمة الشمولية ، خاصة وأننا قد تقلبنا بين هذا وذاك ردحاً من الزمان ، ولم تحظ الكثير من البلدان التي حولنا ، أفريقياً وعربياً ،  بذات الذي إختصنا الله به ، ومنحنا إياه من سماحة ، ورفقٍ أكسبنا تلك الشخصية المميزة ، التي دائماً ما يشير إليها الكتاب مبدين الإشادة ، والإعجاب.
{ وإن كنا نذكر ، فالرئيس عبود رحمه الله ، قد حكم نظامه بإعدام مجموعة من الضباط ثبت أنهم كانوا يودون الإنقلاب عليه ، و في فترة لاحقة لم تصدر أحكام إعدام بشأن فئة أخرى ، هي كذلك دبرت مؤامرة للإطاحة بنظام حكمه بل كان العلاج بأن أشركهم في الحكم ، وتولى بعضهم قيادة أهم الوزارات .
{ وعبود في نهاية المطاف ، إستجاب للرغبة الشعبية في أكتوبر من عام 1964 ، فحل المجلس العسكري ، وفضل أن يعتزل الحكم بسلمية ، تجل عن النظير، ولم يفكر أحد أن يقتص منه ، فعاش في منزله معززاً مكرماً إلى أن توفاه الله ، و مايزال بعض المواطنين الذين عاشوا فترة حكمه يتمنون أن يعود التاريخ إلى الوراء ليستمتعوا بحلاوة تلك الأيام .
{ والرئيس جعفر نميري هو الذي قاد إنقلاب مايو 1969 بإتفاق مع مجموعات اليسار ثم إنقلب عليهم وعزلهم ، فدبروا إنقلاباً ضده ، وأثناء وجودهم معه أوغروا صدره ، فأشعلها حرباً ضد الأنصار بالجزيرة أبا ، وود نوباوي ، لكنه عاد مرة أخرى فانتقم من الشيوعيين ، و من لف لفهم ناصباً لهم المجازر ، ومقاصل الإعدام ، فقضى على قادتهم ومفكريهم من المدنيين والعسكريين ، الأمر الذي أضعف توجهات اليسار ، و أفقدها بريقها حتى تاريخ كتابة هذه الكلمات .
{ والمرحوم جعفر نميري هو الذي واجه الكثير من التحركات ضده، منها ثورة شعبان 1973 وإنقلاب حسن حسين 1975 و ما سماه حركة المرتزقة 1976، وقبل ذلك مواجهته الدامية مع الشيوعيين والعلمانيين في يوليو 1971 ، فكانت الإعدامات التي لم يشهد السودان مثلها في تاريخه، أما في عام 1976 وفقاً لما أذكر ونحن نقطع كبري امدرمان راجلين إلى منازلنا رأينا كيف أن جثث الموتى تناثرت ، و هم الذين هاجموا المقار العسكرية ، ولم يفلحوا في إسقاط النظام.
{ وجعفر نميري الذي مر بكل تلك المنعطفات والمواجهات و ما تخللها من ظرف عصيب ، وبالرغم مما خلفته تلك الأحداث من ضحايا ، كانت جنازته يوم وفاته إستفتاءً شعبياً يوضح أنه ما يزال في صدور الكثيرين ، ينال التقدير ، والإحترام .
{ أما الإنقاذ ، فهي كذلك لها ما لها ، وعليها ما عليها ، ويبقى أن تظل الحقائق المتمثلة أن للإنقاذ أخطاؤها ، وللصادق المهدي أخطاؤه ، وكذلك للمرحوم جعفر نميري والمرحوم الفريق عبود ، ولا أحد في بلادنا ، قيادياً كان ، سياسياً كان ، أو فرداً من عامة الشعب بإمكانه أن يدعي بأنه من زمرة الملائكة الأطهار .
{ و هكذا يقول التاريخ معبراً عن خصائص هذا الشعب الأبي الطاهر الذي تميزه سماحته ، وحسن خلقه بين الأمم والشعوب.