عادل حمودة والسودان.. والمهلّبية (1)

423(1)
وفقاً للموسوعة الحرة العالمية (ويكيبيديا) فإن الصحافي والكاتب والمؤلف المصري عادل حمودة يعتبر (واحدا من الأساتذة الكبار في الصحافة المصرية، حيث تربَّت على يديه عدة أجيال من الصحافيين المتميزين وصناع الصحف). وقد عمل عادل حمودة رئيساً لتحرير مجلة «روز اليوسف»، الشهيرة، ورئيساً لتحرير صحيفة «الفجر»، ورئيساً لتحرير صحيفة «صوت الأمة». كما انه حمل لعدة سنوات صفة «كاتب بصحيفة الأهرام»، وهي صفة رفيعة لا يحملها في مصر إلا صفوة متميزة من عتاة المثقفين.
وللرجل عبر العقود الأربعة الماضيات، إسهامات صحافية باهرة  تتحدث عن نفسها، تمتد على مدى البصر الصحافي والثقافي المصري والعربي. ويجمع عادل حمودة فى نشاطه الصحافى بين صنفين من أصناف الكتابة. الاول هو الكتابة السياسية والثقافية الجادة، اما الثانى فهو الكتابة الصحافية الفضائحية. ولا غرو ان كانت أهم واشهر واكثر مؤلفاته من الكتب توزيعاً هى كتبه المعنونة: بنات العجمى، الحب على شاطئ سياسى، حكومات غرف النوم، و بنات مارينا!
ولأن للرجل غرام شديد بقصص النساء وحكايات ما بعد منتصف الليل فان الصحف التى يرأس تحريرها تحمل بصفة مستديمة زاوية شهيرة رائجة بعنوان «بورصة الأخبار»، تتضمن الكثير من فضائح واشاعات الوسط الفني المصري!
(2)
ومن الطبيعي أن تكون لشخصية مؤثرة وفاعلة في قواطع حيوية من مسارات الحياة الإعلامية، مثل عادل حمودة، مواقف خلافية حادة ومثيرة للجدل. فلا عجب إذن إن شهدت المحاكم القضائية في مواجهته قضايا خطيرة شهيرة، ملأت الدنيا وشغلت الناس، تولت كبرها رموز ساطعة في وزن شيخ الأزهر ومن هم في مقامه. ولا مشاحة – والحال كذلك – أن يكون لعادل حمودة خصومٌ أقوياء، يشدّدون عليه النكير ويكدّرون صفاء أيامه.
من هؤلاء شعراء من ذوي العارضة، وعداوةُ الشعراء بئس المقتنى. فما بالك بأن يكون عدوك الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، الذي استكثر على حمودة ذات مرة صفة «كاتب بالأهرام»، تساويه مع هيكل واحمد بهاء الدين واحسان عبدالقدوس وغيرهم من العمالقة. وفي زمان مضى كتب نجم في هجاء حمودة واحدة من أشهر قصائده، وهي قصيدة «اليويو»، وقد جاء في بعض أبياتها: (يا واد يا يويو يا مبرراتي/ يا جبنة حادقة على فول حراتي/ يا واد يا يويو يا مهلبية/ فوق الصواني سايحة وطرية/ حسب الوظيفة انت وشطارتك/ لو خفّضوك ترفع حرارتك/ لو صعّدوك تقلب جيلاتي/ ليه النهارده بترش بدرة؟/ يا ابن الأبالسة يا ملطفاتي).
(3)
وفي الوجه الظاهر فقد كان نجم يعاتب في قصيدته عادل حمودة بسبب سلوكه الانتهازي المفترض ومواقفه السياسية اللامبدئية المتقلبة. ولكن العارفين بالعوالم السفلية للصحافة المصرية يقولون إن نجم كتب القصيدة في فورة غيظ وسورة غضب، رداً على قرار كان قد أصدره عادل حمودة، لسبب ما، وهو يمارس سلطاته كرئيس للتحرير، بوقف نشر حلقات كتبها أحمد فؤاد نجم، كانت «روز اليوسف» تنشرها تحت عنوان: «مذكرات الفاجومي».
ولكن ما علاقة كل ذلك بموضوع مقالنا هذا؟ في الحق إن آخر ما أنشده غداة يومي هذا أن أضم اسمي الى قائمة السوادنة من المدمنين على إثارة الغبار وافتعال الشجار، بغايةٍ وبغير غاية، مع كل مصري يكتب حرفاً عن السودان بلداً وشعباً، وتاريخاً وثقافة. ولبعض أهل السودان حساسية مفرطة تجاه الكتابات المصرية التي تتناول بلادنا. ولذلك فإنه يكدرني غاية الكدر أن أجد نفسي ممسكاً بتلابيب كاتب مصري آخر، هاتفاً في وجهه بأن يتركنا وشأننا، وأن يكف عن الكتابة عن السودان وشعبه وتاريخه وثقافته!
(4)
في نهاية يونيو الماضي 2010م صدر عن «دار الشروق» بالقاهرة كتاب (ثرثرة أخرى فوق النيل – رحلاتي إلى منابع النهر: اثيوبيا، يوغندا، السودان)، تأليف الأستاذ عادل حمودة. الموضوع الأساس لكتاب حمودة هو مياه النيل والصراع بين دول المنبع ودول المصب. وفي سبيل إنجاز هذا العمل قام المؤلف بزيارة بعض دول المنبع الإفريقية، وضمّن كتابه عدداً من المشاهدات والانطباعات التي سجلها أثناء زيارته لاثيوبيا ويوغندا والسودان. الى جانب ذلك فقد أورد المؤلف عدداً من المعلومات التاريخية، التى نقف عليها للمرة الأولى، بسبب انها لم ترد قط في أي مصدرٍ آخر، إذ لم يقل بها، قبل حمودة، إنسٌ ولا جان.
خذ هذا المثال: هل سمعت قط – أعزك الله – ان الرئيس جمال عبد الناصر كان قد قرر إعلان الحرب على السودان لإرغام الرئيس السوداني إبراهيم عبود على الرضوخ  لقرار مصر بشأن بناء السد العالي، خاصة وأن الفريق عبود – بحسب حمودة – كان قد صرح في مبتدأ الأمر بأنه غير راضٍ على مشروع بناء السد العالي والآثار المترتبة على السودان من جراء تنفيذه؟! السيد/ حمودة يؤكد لنا في كتابه جدية عبد الناصر وعزمه الأكيد على خوض الحرب، ويفيدنا بأن حالة الاستعداد القصوى كان قد تم إعلانها في أوساط القوات المسلحة المصرية، وأن طوابير الناقلات العسكرية الناقلة للمدافع والمدرعات والمجنزرات العسكرية توجهت الى منطقة اسوان استعداداً للقتال. ولا تخالج حمودة ذرة شك في أن حكومة السودان ما كانت لتوقع اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل في نوفمبر 1959م، لو لم تكن قد شعرت بقوة مصر العسكرية!!
ويُعلمنا حمودة، بكلماتٍ حواسم مثل حد السيف، أن حقوق مصر في النيل ليست منحة أو منة من أحد، ولا هي فضل أو فضلة، بل إنها حقوق أصيلة وراسخة. ويؤكد لنا أن ما تحصل عليه مصر حقٌ ثابت لها بمقتضى معاهدات وبروتوكولات يسندها القانون الدولي، وفي مقدمتها بروتوكول روما الموقع بين بريطانيا وإيطاليا في 1891م، ومذكرات التفاهم بين بريطانيا وإيطاليا لسنة 1935م التي تعترف بمقتضاها ايطاليا بحقوق مصر في مياه النيل الأبيض والنيل الأزرق، وصولاً الى اتفاقية الأمم المتحدة للاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية التي تؤمن بدورها حقوق مصر الثابتة في مياه النيل. ويريد حمودة من الحاضر في دول المنبع والمجرى أن يبلغ الغائب بأن الطبيعة لها سطوتها وجبروتها وإرادتها المستقلة، وانه لا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تمنع اندفاع المياه من هضاب المنابع المرتفعة، مروراً بالمجاري المنبسطة، وصولاً الى المصب الطبيعي، وان من تسوّل له نفسه الوقوف امام هذا المد الطبيعي الرباني الذي لا يُحابي مصيره الغرق!
ومع ذلك فإن حمودة لم ينسَ ان ينبّه حكومة بلاده لأن تظل متيقظة، وإلا تغفل عن مؤامرات أصحاب المصالح، وان تذكر دائماً أن مصر هبة النيل.
ويقدم عادل حمودة فى كتابه حقائق تاريخية بالغة الخطر، فنحن نعرف على سبيل المثال للمرة الاولى ان بريطانيا ومصر جيٌّشتا حملة كتشنر باشا لاعادة فتح السودان عام 1898 بهدف حماية مجرى النيل وتحريره من قبضة « الهمج « من انصار المهدى الذين ربما كانوا يخططون للسيطرة على النيل ثم البحر الاحمر ويسعون الى  قطع الطريق الى الهند!
وللأستاذ عادل حمودة أن يكتب تاريخ بلده على الوجه الذي يشاء، وان يدافع عن حقوقها في مياه النيل كيفما اتفق. وما اكثر الكتب التي تقذف بها مطابع المحروسة الى المكتبات فما تطالع في وريقاتها غير الخربقات والطربقات، والتخاليط والأغاليط. ولكن قضيتنا مع حمودة تبدأ عندما يشرع الرجل في الكتابة عن السودان وتاريخه الحي الذي ما زالت شرايينه تنبض في جسد الوطن.
(5)
خص الرجل بلادنا بفصلٍ كامل، هو الفصل الثاني عشر. وهذا الفصل قصيدة أولها كفر وآخرها كفر. وقد اختار لهذا الفصل عنواناً: ( بانت السودان على بعلها المصري). ولا أعرف توصيفاً للعلاقة بين مصر والسودان يفتقر الى الحساسية ويجنح الى السخف، مثل تصويرها وكأنها علاقة زوجية،  تكون فيه مصر هي البعل ويكون السودان هو المبعول. والذي يعرف طبيعة المكونات النفسية والثقافات الاجتماعية السائدة في البلدين يصعب عليه للغاية أن يغض البصر عن المغزى  المستتر أو يتجاوز شبهات الخبث في مثل هذا التوصيف.
والعنوان مشتق من عبارة وردت في مذكرات الجنرال «غردون» جاء في ترجمتها العربية: (إن السودان امرأة بانت على بعلها المصري، فإذا أرادت أن تتزوجه ثانية فدعها تفعل ذلك ليكون لنا معها شأن آخر فيما بعد). ويزيد الأمر ضغثاً على إبالة انك لا تجد أية صلة تذكر بين معنى هذا العنوان ومدلوله من ناحية، وبين محتوى الفصل الثاني عشر ومضموناته من ناحية أخرى، الأمر الذي يستدعي التساؤل ويعمقه، ويمنحه مشروعيته.
(نواصل)