د.عون..محيط العربية وكتاب القبائل السودانية

بقلم الأستاذ/ حسن جعفر كدوده
alsahafa-23-12-2016-30الدكتور عون الشريف قاسم نعرف عنه انه عالم جليل وأديب لا يشق له غبار له مؤلفات عدة في مجالات مختلفة، الأدبية منها والعلمية والرسائل والمقالات الصحفية، وهو عضو في المجامع اللغوية في السودان ومصر ومن مؤلفاته الاسلام والبعث العربي، والدبلوماسية في الاسلام، قاموس اللهجة العامية في السودان ومشاهير الأسر والقبائل السودانية، كما أنه من جهابذة الجامعات السودانية ومن أشهر مؤسسي جامعة أم درمان الأهلية، إلا اننا لم نسمع عن المامه باللغة العربية القديمة ولا مشاركته لشامبلتون في فك رموز الهيروغلوفية اللغة المصرية القديمة على حجر رشيد فتعجبنا، كيف يتربع ولعدة مرات بأن عبارة «كاني ماني» من بقايا اللغة المصرية القديمة ويقترح لها معنى سمن على عسل وما أحلى السمن على عسل إلا ان المعنى السائد لدى المصريين والنوبيين تعبير عن سخف الكلام واللجلجة والحجة الواهية وعدم البيان، كما يعبر عنها النوبيون بـ(قصير الحجة) ومنشأ هذه العبارة «كاني ماني» ان عمرو بن بحر الجاحظ يورد في كتبه الأدبية قصصا وحكاوي عن الحبشي والنبطي والفارسي نوادر مستهلاً بكان – فمنها كان ماني والمافوية ديانة مجوسية انتشرت أخبارها ونوادرها في أوائل العصر العباسي ولم ترق نوادرها المشبعة بالمجوسية أمزجة عامة المسلمين أو هوى في نفوس العامة فقالوا بلاش كاني ماني وللعبارة نظائر في العربية الفصحى، قال تعالى «والضحى والليل اذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى» ، ولما كانت الضحى، وسجى على الألف اللينة يثبت قلى على الألف اللينة للسجع والمزاوجة، وكذلك قوله تعالى «سلاسلاً وأغلالاً وسعيراً» فسلاسل ممنوعة من الصرف إلا انها وردت معروفة لمزاوجة أغلالاً وسعيراً.
وكذلك لدى النوبيين في السكوت والمحس عبارات على هذا المنوال فهم يقولون عمن قويت شكيمته حميل محيول محميل بمعنى شديد متحمل الشدائد اما محيول فلا معنى لها انما جاءت للمزاوجة وكذلك جهاد الرهاد «والمعنى جهاد الرهد» ولما جاءت جهاد على وزن فعال جاءت الرهد على رهاد للمزاوجة وكثير من قبيل هذه الصيغ وأكثرها منقولة عن العربية ومنها «صداح مداح» بمعنى صدى مداح لما ذهب اثره وانداح كما تنداح هزيج الطبول، وقد خصص أحمد بن فارس في كتابه فقه اللغة باباً عالج فيه هذا النوع من التعبيرات ومنها لا بارك فيك ولا ثارك ومنها انك تحسب الأرض حيصاً بيصاً، قال الشاعر:
يوم عليك يعصر المحلودا يترك حمران الرجال سودا
وليلة عامدة عمودا سوداء تغشى النجم والفرقودا
ولاتباع والمزاوجة ظاهرة لغوية تدل على ما يعانيه المتكلم من انفعال تمنح المستمع متعة فنية ومشاركة وجدانية.
رحم الله الراحل المقيم الدكتور عون الشريف قاسم بقدر ما أسدى للعروبة من علم وأدب، وغفر لمن ورطه في سقط المتاع.