نظرات في محبة النبي صلى الله عليه وسلم

إن الحديث عن المعاني العاطفيَّةِ الإنسانيَّةِ المُتعلِّقةِ بالمحبَّةِ النبويَّةِ الشريفة، هى تلك التي عبَّر عنها علي – رضي الله عنه – عندما سُئل كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (كان والله أحبَّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ)، والعبارة تحتاج الى المزيد من التأمل والنظر ، وفى السيرة العطرة هنالك العديد من المشاهد والمواقف التى تشرح وتفسر وتحقق تلك الكلمات الرفيعة وهذه العبارة الراقية ، ومن شواهد هذا القول ما ورد فى قصة استشهاد الصحابى الجليل زيد بن الدثنة رضى الله عنه.. قال ابن إسحاق: اجتمع رهطٌ من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب؛ فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتُحِبُّ أنَّ محمداً عندنا الآن في مكانك نضربُ عُنُقَه، وأنَّكَ في أهلك؟ قال: والله ما أُحِب أنَّ محمداً الآنَ في مكانه الذي هو فيهِ تصيبه شوكة تؤذيه، وأنّي جالسٌ في أهلي، قال: يقول أبو سفيان: ما رأيتُ من النَّاس أحداً يُحبُّ أحداً كحُبِّ أصحابِ محمدٍ محمداً .
ومن ذلك ما جاء عن عائشة رضى الله عنها أنَّها قالت: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله إنَّك لأَحَبُّ إليّ من نفسي، وإنَّك لأَحبُ إليّ من ولدي، وإنِّي لأكون في البيت فأذكرك فما أصبرُ حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفتُ أنَّك إذا دخلت الجنة رُفعت مع النبيين، وأنّي إذا دخلتُ الجنةَ خشيتُ أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزل جبريل بهذه الآية (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا 69) سورة النساء .
ومنها ما جاء عن سعد بن أبي وقاص قال: مرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم – بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها، وأخوها، وأبوها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم -بأُحد، فلما نُعوا لها قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قالوا: خيراً يا أمَّ فلان، هو بحمد الله كما تحبين.
قالت: أرونيه حتى أنظر إليه.
قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كلُّ مصيبةٍ بعدك جلل.
وغيرُ ذلك من النصوص التي تصعب على العد في بيان العلاقة العاطفية في أعلى قمتها الإنسانية بين الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم .
وخاتمة القول إنّ تجريد المحبة من معانيها الإنسانية، وجعلها عملاً ظاهرياً حرفياً جامداً يابساً مجرداً عن محركاته ودوافعه الإنسانية العميقة، جعلت الكثير ممن يؤمنون بهذا التجريد يقعون في ظاهريةٍ لم يعرفها التاريخ من قبل في فهم الالتزام بالسنة والهدي الظاهر لنبينا صلى الله عليه وسلم، ولذا فبعضهم من أكثر النَّاس حرصاً على الهدي الظاهر لنبينا -صلى الله عليه وسلم – وفي ذات الوقت هو من أبعد الناس عن المعاني المتعلقة بالأحوال والسلوك النبوي الباطني الشريف، فالهم والاجتهاد عندهم مُنصَبٌ على ما ظَهَرَ من السنة النبويَّة مع الإهمال الواضح للاقتداء بهديه الباطن المتعلِّقِ بالرفقِ والرحمةِ والودِّ والحرصِ على نجاة الآخرين مع لينِ ورقةِ القلبِ وسهولةِ الجانب، وغير ذلك من الخصائص النبويَّة والأحوال الشريفة له عليه الصلاة والسلام .