قصص قصيرة.نجاة إدريس إسماعيل

سن الدهب

alsahafa-24-12-2016-44خرج من المسجد بخطى متعثرة يقدم رجلا ويؤخر أخرى ،فهذه حالته منذ أن أصابته آلام الغضروف ، كان طريق المسجد خاليا في تلك الساعة من النهار القائظ فالشيوخ من أرباب المعاشات – أمثاله – بعضهم تركه بالمسجد ،والبعض الآخر انصرف بطريق آخر ، ذكره الطريق الخالي من أصدقائه حاج الأمين وحاج الطاهر – في هذا الوقت- بأن اليوم هو الأول من الشهر فلعلهم ذهبوا ليقبضوا المعاش .. كثيرا ما تشاجر معهم في هذا الشأن وطلب منهم بأن يتركوا هلعهم وولعهم الشديد بالمال ولينتظروا قليلا حتى تخف الصفوف الملتوية في الأيام الأولى من صندوق المعاشات ثم ليذهبوا ، ولكن كانوا سرعان ما يبدأون مشاجرته ويتهمونه بالغنى وهي تهمة لا ينكرها ،ولكنه يظن أن أصدقاءه يبالغون فيها ، فحاله يشبه حالهم تقريبا ، فرغم أنه أحيل إلى المعاش وهو في الدرجة الثالثة إلا أنه لم يخرج من الوظيفة إلا بحطام دنيا كما كان يعايره صديقاه فزملاؤه طاروا بسرعة الصاروخ وامتلكوا المنازل الفخيمة والفارهات ،كان ينظر إليهما مبتسما ويقبل يمناه ظاهرا وباطنا وهو يقول لهما بقبول ظاهر « مبسوط ..نعمة من كريم !.. «. تمهل في خطاه عندما أبصرها أمامه ،كانت تتوسط امرأتين بجوارها ،عرفها بمشيتها المتمهلة المتدللة وما كان ليخطئها ولو كانت بين مائة امرأة ، خفق قلبه بشدة ،ضغط عليه ..مازال هذا المارد كما عهده منذ سنوات الصبا الباكر يأسره الجمال ولو كانت صاحبته تجاوزت السبعين ..هاهو يخطو إلى الثمانين ببضع سنين وقلبه يخفق بشدة كلما رآها ،كانت تأسره منذ سنوات الصبا بلونها الذي يحاكي التبر بهاء.. وبمشاطها الذي تفوح منه روائح الصندل والمحلب والكركار ،أما ساقاها اللذان يمتع نظره بمرآهما الآن وهو يبطيء الخطو متعمدا فقد كانا في لون ثمار المانجو الناضجة ،كانا منحوتين بعناية وكأنهما ساقا تمثال لفنان يتقن العمل ،كانت تتمهل في السير – كعادتها – تتبع صويحباتها في إسراع متكلف .. رأى حواف قدميها تبدوان بيضاوين على غير عاداتهما ،تذكر أنه لم يرها منذ أن توفى زوجها .. هو أيضا وحيد مثلها فزوجته غادرته للأبد منذ نحو عشر سنوات وتفرق أولاده بعيدين عنه .. بناته أخذتهن الغربة .. أما أولاده فقد تركوا المنزل مستقلين بحياتهم الخاصة ومنشغلين بأسرهم الصغيرة ..كان يرافقه بالمنزل ابنه عمر إلى أن تزوج العام الماضي وذهب أيضا.. حاج الطاهر – صديق عمره – يصر بأن أولاده الأغنياء يرفضون العيش معه في منزله المتواضع الذي يتكون من غرفتين من الطوب الأحمر ، لم يتمكن طيلة أربعين عاما قضاها في الخدمة العامة من زيادتهما ، أما حاج الأمين فيظن بأن راكوبته التي كانت في عرض صالة من صالات المناسبات التي تقام فيها الأفراح اليوم هي من ساعدت في أن يضم بيته جميع أولاده وبناته وضيوفه من أهل البلد ، ثم لا يلبث أن يزيد في قوله :» عملتها أكل وشراب ساي !..هسع أولادك خجلوا من البيت وطفشوا خلوك براك!..» لم يكن يغضب من صاحبيه رغم أنه كان يغضب عندما يسمع ذات الحديث من آخرين ،فكان يرد عليهم مزمجرا ويخبرهم بأنه هو من يرفض أن يذهب معهم فهو لم يعتد إلا على بيته ولا يستطيع تسلق سلالم عماراتهم الفارهة . يعرف أنه كان يقول ذلك الكلام لأهل الحي حتى لا ينهشوا لحم أبنائه ، جميعهم زار منازلهم لبضعة أيام ، كل في داخل غرفته ، ابنه وزوجته وأولادهم .. لا ضجيج ، ولا صوت ، حتى الطعام يقدم والجميع صامت ، أحس بأنه عبء على ولده البكر الذي أحضره معه في بيته حتى لا يعيره الناس بتركه لوالده وحيدا .. مكث معهم ثلاثة أيام لم يتكلم مع أحد سوى خفير الحراسة، وفي اليوم الرابع عاد أدراجه وأقسم لولده ألا يعود معه . تكرر المشهد ثانية وثالثا مع أبنائه الآخرين وإن اختلفت التفاصيل ، وبعدها أقسم لحاج الأمين وحاج الطاهر ألا يبارح مكانه خلف شجرته الأثيرة حيث يلتقي بصديقي عمره الطاهر والأمين. وصل إليها بين رفيقاتها ، سلم عليهن ثم أومأ لها بأنه سيزورها في منزلها عصرا ، قطبت جبينها مستفهمة وكأنها تخاف من أن تلوك سيرتها رفيقتاها وهي الخارجة من العدة للتو ، فاستدرك وأكمل عبارته « داير الأولاد في شيتن مستعجل!» لم تقل شيئا ..جرت ثوبها وهي تخفي مساير شعرها المظللة بالشيب والتي خرجت دون إرادتها ثم أسرعت تلحق برفيقاتها. عند العصر اصطحب صاحبيه معه ليذهب إليها يسبق خطواته عطره النفاذ ..ارتدى جلابيته السكروتة وألحقها بملفحته التي وضعها في كتفه الأيمن بعناية في حركة لا تليق بسنه ، أما عمامته الضخمة فقد أفلح في لفها – كعادته – حتى بدت على شكل الرقم 8 وبدا تطريزها غزيرا .لم ينس أن يلبس حذاءه المصنوع من جلد النمر والذي جلبه له ابنه الأكبر مكفرا به عن إهماله له وإن لم ينس أن يهمس له بضرورة ألا يلبس هذا الحذاء وهو يذهب للمسجد حتى لا يسرق منه، وكاد أن يخبره بمبلغه الذي اشتراه به لولا أن انتهره شقيقه الآخر . وجد منزلها خاليا إلا من ابن وحيد ربما أخبرته بسبب الزيارة التي أخبرها بها عند الظهيرة ، بدا مرتبكا وأخذ يضرب بعصاته الأرض وكأنه يعطي الإشارة لصاحبيه أن تحدثا .. رفع حاج الطاهر صوته وبدأ يعدد فوائد الزواج ولكن حاج الأمين بدا غاضبا من افتتاحية صاحبه وتدبيج أحاديث الزواج ومقاصده في الحديث فتحدث قليلا عن أخلاقه ورجولته وأقوال لم يتبينها فقد كان عقله مشغولا بها بعد أن انصرفت عن ناظريهم منذ دخولهم منزلها . زاد وجيب قلبه ..تذكر تطابق المشهد منذ خمسين عاما عندما رده أبوها وهو يدق الأرض بعصاه وكأنه ينهي حديث الطاهر المدعم بذات آيات النكاح وأحاديثه التي قالها الآن ، كانت ضربة عكازة مجلجلة لسهام قلبه وهو يقول له « البت لود عمها!».. «الإجابة لصاحبة الشأن «..هذا ما قاله ولدها وهو يلتفت إليها مبتسما ..أما هي فقد أطرقت في الأرض وإن بدت سنة الذهب بادية عند مقدمة أسنانها للعيان.