يومُ اللُّغةِ العربيَّةِ.اللغة العربية يتحدث بها أكثر من 422 مليون نسمة بينما يتحدث بها جزئيًا حوالي المليار ونصف مسلم

لسانُ العربِ أوسعُ الألسنةِ مذهبا ،وأكثرُها ألفاظا ،ولانعلُمُهُ يُحيطُ بجميعِ علمهِ إنسانٌ إلا نبيٌ»

* «الشافعي ، الرسالة : 42»
alsahafa-24-12-2016-39-copy* تُعدُّ اللُّغةُ العربيَّة إحدى اللغات الأكثر انتشارًا في المعمورة؛ إذ يتحدَّثُ بها وفقًا لآخرِ الإحصاءات أكثر من 422 مليون نسمة ،بينما يتحدث بها جزئيًا حوالي المليار ونصف مسلم .
في 18 ديسمبر 1973 احتلَّتِ العربيَّةُ مكانَها بين اللُّغات الرسمية الست للأمم المتحدة.
وفي 19فبراير 2007 اعتمدت إدارة الأمم المتحدة لشؤون الإعلام عشيَّةَ الاحتفال باليوم الدُّولي للُّغة الأم الذي يقع في 21 فبراير من كل عام قرارًا يقضي بالعمل على الاحتفال بيوم عالمي لكل لغة من اللغات الرسمية السِّت للأمم المتحدة : اختارتِ الصين يوم 20 أبريل تخليدًا لذكرى سانغ جيه مؤسس الأبجدية الصينية ، واختارت بريطانيا يوم وفاة ويليام شكسبير في 23 أبريل ليكون يوم الاحتفال باللغة الإنجليزية في كل أنحاء العالم ،ومثلها اختارت روسيا يوم الذكرى السنوية للاحتفال بميلاد الشاعر الكبير الكسندر بوشكين يوما للغتها.. وهكذا في بقية اللغات الخمس الأخرى، بينما اختار العرب يوم دخول اللغة العربية ضمن اللغات الست للأمم المتحدة في 18 ديسمبر ليكون يومًا عالميا للاحتفال بلغتهم ، وهو اختيار متواضع في رأينا ؛ لأنه لم يختَرْ لحظةً مفصليَّةً في تاريخ الثقافة العربية ليحتفل بها إذ كان يمكن اختيار يوم نزول الوحي بكلمة «اقرأ»، أو اختيار يوم مِيلاد المتنبِّي، أو المعرِّي، أوالجاحظ ، أو الجرجاني ، أو ابن رشد، أو غيرهم من رُموز الثقافة العربيَّة يوما للاحتفال باللغة العربية وثقافتها حتى لو كان اختيار ذلك اليوم تقريبيًا إذا تعذَّر تحديده بالضبط.
احتفاؤنا باللُّغة العربيَّة في هذا اليوم : الثامن عشر من ديسمبر في كلِّ عام يجب ألا يعمينا عن الإشكالات المزمنة التي تجابه العربية ، وهي عديدة جدا ، لعلَّ أبرزها:
– تقليدية المؤسسات القائمة على أمر العربية ، وتحجُّر طرائق تدريس اللُّغة العربيَّة .
– فرمان «الاحتجاج» اللغوي الذي يعمل كقانون خفي في قَلْبِ العربيَّة منذ أكثر من ألف عام كابحًا تطوُّرَها وانفتاحَها وهو الفرمان الذي سنناقشه لاحقا في مقال منفصل .
– شيوع لغة الإعلام بمعجمها المحدود ومعانيها المبسَّطة.
– حِدَّة الازدواج اللُّغوي في العربية :عامي / فصيح وذلك إذا قيست بغيرها من اللغات كالإنجليزية مثلا.
– ذلك الوهْم الغريب الشَّائع بأن اللغة العربية «تخصُّصٌ موقوفٌ على أهْلِهِ»، وليس على أبنائها جميعا ، وهو الوهم المترسِّخ في الأذهان حتى أنَّ الكُتَّابَ أنفسهم يقولون عند إبداء ملاحظة ما على لغتهم،ولتكن همزات الوصل والقطع مثلا:»اعذرني فاللُّغة العربيَّة ليست تخصصي !»، وهو ذات الوهم المستشري الذي يكاد يقصر الاحتفال بيوم اللغة العربية على المؤسسات القائمة على أمرها.
– ضعف الجهد المبذول لنشر العربيَّة في العالم ؛ قارن ذلك مثلا بما تفعله فرنسا مثلا لنشر الفرنسية في العالم.
سنقصر حديثنا هنا عن طبيعة لغة الإعلام وأثرها على اللغة .
عادةً ما يُقال إنَّ وسائل الإعلام تخدم اللغة! فهل هذا صحيح ؟!
يستخدِمُ الخِطابُ الإعلامي عادةً الشائعَ والمشتركَ من ألفاظ الفصحى، أي على ما يوهِمُ بأنَّهُ فُصْحَى معاصرة ، وغير تقليدية ، وبالتالي فهو يطمر تحت تُرْبَة آلته الإعلامية الضخمة ـ مسلَّحًا بأعجوبة التقنية ، وسلاح الانتشار، ورغبة الجمهور العريض ـ نوعين من المفردات:
– الأوَّل : المفردات والتعبيرات «الدارجة» بحجة عدم فصاحتها ، أي بحجة لا انتمائها لجهاز مفاهيمي عريق له وحده ــ بسطْوة التاريخ والأيديولوجيا والدِّين والسلطة والمركز ـ تحديد صلاحية الفصيح من غيره، وبذا يقضي على التنوُّع اللغوي لأنه يقصيه خارجه بأداة طرْد مركزيَّة سنسميها هنا : المرْكَز اللُّغوي .
– الثَّاني : المفردات الفصيحة «العميقة» التي تقع خارج المتداول اليومي ، والمباشر والتي يقصيها الخطاب الإعلامي خارجه بأداة طرد مركزيَّة سنُسمِّيها : نَفْي الغريب والملتبَس والعميق والقاموسي؛ وبذا تضيق اللغة حدَّ الاختناق ، ويُنفَى عنها عُنْفوانُها ، واشتعالُها ، وعالمُها الجُوَّاني العميق ـ بحيث لن يتبقَّى في أيدينا في نهاية المطاف سوى ثفل اللغة وقشورِها .
وقد سبق للبروفسير عبد الله الطيِّب «1921ـ 2003 » أن أشار إلى طبيعة هذه اللغة الإعلامية التي يجري إشاعتها على أوسع نطاق ، إذ رأى في نظرةٍ ثاقبةٍ لم ننْتَبِه لها بما يكفي أنَّ « الطَّفل في سِنِّ الثالثة والخامسة داخل المجتمع القروي وأطراف المدينة كان ذا موسوعةٍ كبيرة من اللُّغة الدارجة.أما الآن وبسماع الراديو والتلفزيون فقد قلَّت هذه الموسوعة ، وانحصرت في القالبيَّات التي يسمعها ويتلقَّاها من هذه الأجهزة … وبذلك تصبح ملكته التعبيرية محصورة ، وسيجيء جيل تكون فيه ملكة الأطفال وملكة آبائهم محصورةً حتى ينتج من ذلك جيل عَيي في آخر الأمر « «الدوحة ، العدد 65، مايو1981»؛ وفي ضوء ذلك يمكن أنْ نرى أنَّ أهلَ الحواضر ـ كالخرطوم مثلا ـ لايتحدثون العامية ولا الفصحى؛ إنما يتحدثون هذه اللغة المصطنعة ، المتكلفة ، شحيحة المفردات التي أشاعها الخطاب الإعلامي المعاصر.
ويذهب الكاتب عمرو منير في مقال قيِّم له عن العامية السودانية إلى أنَّه «لم تتبلور لدينا بعد عامية بليغة في الخرطوم تجسِّد خُلاصةَ فصاحة عامياتنا في سائر بقاع السودان الناطقة بالعربية»، وأنَّ بلاغتنا السودانية «تكمن في فصاحة لهجاتنا القروية المستصحبة إلى المدينة مع كل إقليم، وكل قبيلة» ، وليس في»لهجة المدينة/العاصمة التي يحاول سكانها «تهذيب» قاموسهم إلى أقرب نسخة من قواميس العواصم العربية المجاورة والبعيدة « «على حواشي الشخصية السودانية:13/14» . وهو كلام مهم ينبغي التوقُّف عنده مليا لتقصي أسبابه العديدة ، ومن بينها الخطاب الإعلامي الذي تتفق بعض الدراسات اللغوية الحديثة مع العلامة عبد الله الطيب في الإشارة إليه بحيثيات الاتهام؛ إذ يرى د.أحمد محمد المعتوق مثلا أنَّ اللغة المستخدمة في أجهزة الإعلام هي لغة مبسَّطة ، لأنها تهدف إلى إيصال الخبر والإعلان وإلى التسلية والترفيه الذي يستهدف جمهورًا واسعًا بكل فئاته ، وهي تعتمد على طائفة بعينها من العبارات والصيغ تكرِّرُها بانتظام ، ولا تستبدلها بغيرها خشيةَ أن تكون غريبة ، أو عسيرة الفهم على متابعيها ، أضف إلى ذلك تسرُّبَ المفردات والصيغ اللغوية غير السليمة إلى لاوعي المتابع السلبي «انظر في ذلك: الحصيلة اللغوية، سلسلة عالم المعرفة: 80 وما بعدها» .
وفي إشارات الكُتَّاب أنفسِهم نجد هذه الانتباهة إلى إدقاع لغتنا المعاصرة ، فها هو الشاعر أنسي الحاج يتحدث عن الاضمحلال الذي يفترس اللغة :» الاضمحلال الكمي ـ إذ كثيرٌ من اللغات – إن لم يكن كلُّها – يشهد تضاؤلا مطَّرِدًا في مفرداته المستعملة ، والاضمحلال النوعي حيث فقدت الكلمة ما كان لها من حيوية وفعل ، ناهيك بالسحر «، كما تحدث بألم عن الذين يجري غسل أدمغتهم وتقصيرها إلى حجم اللغة التافهة ««خواتم 11:1»، أي عن الذين يجري تفريغ نفوسهم ثم إعادةُ ملئِها بكل ما هو خفيف وتافه مثلما عبَّر مرَّة كاتبٌ آخر هو مصطفى محمود .
بسببِ هذا الاستلاب اللغوي حيث كلُّ شيءٍ مبسَّط ومباشر حتى الرمق الأخير لم يعُدِ القارئُ قادرًا على التعمُّق في أيِّ قراءة لكتابة مختلفة خارج السياق الإعلامي أو بعيدا عمَّا اعتاده في مواقع التواصل الاجتماعي، وصار أيُّ عمل أدبي أو فكري بمثابة أُحْجية بالنسبة إلى هذا القارئ ، صار عنه غريبا : لغةً ومعنىً وسياقًا وفضاءً، يجدُ صعوبةً بالغة في التكيُّف والتفاعُل معه بعد أنْ تدهورت شُروطُ القراءة والكتابة في غفلتنا هذه ، وهو الأمر الذي يزداد تأزُّما في «عصر المعلومات حيث :»القراءة في مناخ مايُسمَّى بعصر المعلومات لم تعُدْ سوى حالةِ سباقٍ مع الزمن لاستهلاكِ أكبرِ كميَّةٍ من المعلومات المعروضة على الشاشة في مُمارسةٍ عجولة فَقَدَ معها القارئ العلاقةَ الحقيقي مع النصِّ» كما يعبِّر نيكولاس كار في كتابه «السطحيون»، وهو ماينطبق على قارئ هذه المادة مثلا والذي يسارع للانتهاء منها بصبر ليلحق بقطار المواد التي تنهال عليه في ذات اللحظة واعدةً إياه بباقة زاهية من الهدايا : الخفة ، والسهولة، والسر عة، والتلقي السلبي بعيدا عن «وجع الدماغ» بـ»العربيَّة» وقضاياها غير منتبه إلى أنَّها ، أي اللغة، تخصُّ كينونةَ وجوده في الصميم.
وإذا كانت الأُميَّة القديمة تتمثَّلُ في عدم القدرة على القراءة ، فإن الأميَّة الجديدة تتمثَّلُ في عدم القدرة على فَكِّ شفرات أيِّ قراءة خارج السياق الإعلامي بلغته المبسَّطة والمحدودة : أي عدم القدرة على قراءة الآثار الأدبية والفكرية دون مُعْجَم لُغوي يشرحُ كلماتِها ، ودون خطاب تفسيري ـ مبسَّط أيضًا ـ يُفسِّرُ دلالاتِها.