العامية لغة نبيلة (1)

427٭ اللغة أية لغة في حد ذاتها لم تكن في يوم من الأيام سداً منيعاً أو عائقاً للفن العظيم والابداع العظيم لاسيما في مجال الشعر. فالانسان المبدع في أي مجتمع يحتاج لأن يعبر عن نفسه في علاقته مع الحياة من حوله أو مع عواطفه وتجاربه الذاتية.. يحس ويرغب في أن يسمعها إلى الآخرين.
٭ ولم تكن اللغة في يوم عائقاً يعوق الفن العظيم من الانطلاق والتأثير في وجدان الانسان. فهناك الكثير من اللغات العامية البسيطة عبر بها شعراء تربعوا على عرش الابداع على مر التاريخ.
٭ دانتي صاحب الكوميديا الالهية كتبها بالعامية بل دافع عنها ووضع بحثاً عن البلاغة العامية وقال عن العامية «اللغة العامية هي تلك التي نتعلمها بلا قواعد بمحاكات مرضعاتنا» بل يذهب دانتي إلى أبعد من هذا ويعتبر ان استفحال العامية ينبغي أن يقتصر على أفضل الشعراء الموهوبين من أصحاب الفكر النبيل.. فاللغة العامية في رأيه لغة نبيلة ولا يصلح لها إلا الفكر النبيل.
٭ وأغراض الشعر بالعامية عند دانتي هي التعبير عن النافع والممتع والأخلاقي الذي يتجسد في الأمان والحب والفضيلة.
٭ ودانتي بدفاعه عن لغة الكلام العادية في ايطاليا ودعوته إلى اتخاذها أداة تعبير أدبي بدلاً عن اللغة اللاتينية وضع أساس اللغة القومية التي أمكن أن تبني عليها فكرة القومية الايطالية.
٭ وطاغور شاعر الهند العظيم الذي كتب شعره بلغة الكلام المحلية وهي لغة البنغال في احدى جمهوريات الهند ومن خلال هذه اللغة استطاع أن يملأ العالم برائحة الهند وأفكارها التي أثرت كثيراً على الانتاج الأدبي في العالم كله.
٭ قال اندريه جيد الفنان الفرنسي المشهور «انني شعرت بفرح غامر عندما تعرفت على أدب طاغور ووجدت فيه انسانية جديدة مصقولة بعيدة عن التوحش ممتلئة بعاطفة من الحنان الذي لا مثيل له نحو الحياة والانسان».
٭ وهناك أديب أوربي آخر هو رومان رولان الذي عشق الهند وأحبها من خلال شاعرها الأكبر طاغور الذي قال عنه انه رسول آسيا إلى الغرب آسيا كلها وليس الهند. كل هذا فعله طاغور من خلال لغته المحلية البسيطة. صحيح انه كتب بعض أعماله بالانجليزية لكن انتاجه الأساسي الذي ترجم للغات الأوروبية هو ما كتبه بالبنغالية.
٭ ولماذا نذهب بعيداً فلننظر إلى شعرائنا القدامى الذين قالوا الشعر بلغتهم العامية والذين لم يحظوا بقدر من دراسة النقد ولكن مع ذلك كان حضورهم فاعلاً في كل مناحي الحياة قد عبروا عن النافع الممتع والأخلاقي تحدثوا عن الأمان والحب والفضيلة وهم كثر الحاردلو شاعر البطانة وابراهيم الفراش وعبد الله ود شوراني والصادق ود آمنة وود الشلهمة ومحلق العبادي وسيد عبد العزيز وصالح عبد السيد ومحمد بشير عتيق وود الرضي واسماعيل حسن ومن المعاصرين القدال – محمد بادي – سيد احمد الحردلو – مختار دفع الله – أزهري محمد علي – عبد العال السيد – ابنعوف – سعاد عبد الرحمن وكثر.. كثر غيرهم.
هذا مع تحياتي وشكري