هـل نـسـتفـيد مـن الـدروس؟!

422حسناً ، خضنا تجارب ، وتعاملنا مختلف أنواع التعاملات ، منها الذي طبع بالتسامح والتنازل ، ومنها الذي إتسم بعزة النفس ، وثبات المواقف ، ومن ثم أصبح التمييز بين كل أنماط المناهج على درجة من الوضوح كإنبلاج الفجر ، وإشراق الشمس ، ولا ينكر الضوء الساطع إلا من به رمد ، كما لا يتذوق طعم الماء الزلال إلا ذاك الذي يعاني وضربه السقم فأفقده حاسة الإمتاع ، ولم يعد يشعر بلذة مأكل ، أو مشربٍ كما هي عادة الأصحاء .
وبناء على السياق المبني على طبائع الأشياء ، ومنطق الإستقامة ، والفطرة السليمة ، فإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ، ويكفي أننا عندما أعددنا عدتنا للدفاع عن أرض أجدادنا ، وقدمنا في سبيل ذلك الرخيص ، والغالي ، والنفس والنفيس ، لم يجرؤ أحد على إبتعاث بعثة لبلادنا مدججة بالسلاح ، ولم يهم حتي مجلس الأمن لإصدار قرارٍ يحذرنا فيه من الإستمرار في المجاهدات ، أو العمل على إيقاف حركة الإستشهاد.
ذلك لأن من يبذل نفسه ، وروحه من أجل قدسية يؤمن بها ، فإن الإنس والجن إن إجتمعوا سوف لن يكون بمقدورهم منع الشهيد ليستشهد ، أو المجاهد ليجاهد ، مادام الأمر متصلاً بعقيدة راسخة ، وإرادة غلابة ، ويومها إن رفعوا بألف سبب الى السماء وقطعوا ، فإن كيدهم لن يذهب ما يغيظ .
وتلك تجربة ، وسيرة عطرة ، عرفنا القيمة الحقيقية لنتائجها ، ووقفنا على عظيم آثارها ، ولم نلتفت ساعتها الى قومٍ يرفلون في الرفاهية ، أو مجتمع دولي ينظر إلينا بعين الخيانة والتآمر ، وبحق كنا في نعمة يشيع رحيقها ، وسعادة غامرة ، لم يفكر أعداؤنا حسداً منهم ألا ، وأن يجالدونا بالسيوف ليحرمونا إياها .
والفرق شاسع بين تلك الحالة التي كنا عليها من السعداء ، والحالة الأنية التي تنذر بالشقاء جراء التكالب علينا بصناعة الأزمات ، وتتالي التحذيرات ، وسيل المنظمات ، والإتهامات بإنتهاك حقوق الإنسان وتجريمنا بالعمل ضد الإنسان بممارسة التطهير العرقي ، والتفرقة الدينية ، والإبادة الجماعية .
وعلينا أن نعمق النظر ، ونستفيد من نتائج الدروس ، حيث كان الدرس في البدء صعباً ، غير أننا عولنا على أنفسنا وقتها لنستوعبه ، ونتعرف على خفاياه ، وتعقيدات منهجه ، فكان النجاح الذي أحرزناه بدرجة تفوق العلامات الكاملة ، أما الدرس الثاني ، فإننا لم نعر لنتائجه اهتماماً ، ذلك لأننا تساهلنا ، وسمحنا لأنفسنا بتجاوز الأسئلة الصعبة ، وعهدنا لآخرين الإنابة عنا في الإجابة عليها ، ونحن بهذه الممارسة كان الرسوب من نصيبنا .
ومن آثار رسوبنا ، ما أغرى ما يسمى المجتمع الدولي لتشديد الحصار علينا بالقرارات الجائرة .
ومن آثاره أيضاً ، ما جعل بلادنا قبلة لأصحاب الأجندة ، والأغراض الخبيثة ليجتاحوا الديار بحجة تقديم الإعانات ، والإغاثات ، وهي سمومُُ نفثوها فأصبح جسمنا عليلاً ، وإرادتنا مشلولة ، ولم نعد قادرين على مغالبة ما يوجه الى صدورنا من خناجر حادة يتولى استخدامها طابور خامس ، ينطق بمثل ما ننطق ، ويتحدث بمثل ما نتحدث ، ويحمل في بعض الأحيان ذات البطاقات الصادرة مما ننتسب اليه من كيانات سياسية وأحزاب .
والأثر الأبشع لنهج التسامح والتنازل ، وإعتماد أسلوب الترضيات ، أفقدنا ما كان في حرزنا ، وتحت الذي هو لنا ملك بحكم التاريخ ، ووثائق التسجيل ، ويكفي أن أراضى شاسعة تملكها رعاة النيل الأبيض في مناطق أعالي النيل ، قد نزحوا منها بعد أن بصمنا في اتفاقية السلام الشامل على الحد الفاصل بين الجنوب ، والشمال بأن يكون هو الترسيم بين مناطق السودان الذي إضطلع به المستعمر ، دون الوضع في الإعتبار بأن السودان لم يكن حكراً على قبيلة ، ولم نعرف يوماً حدوداً بين قبيلة ، وقبيلة ، وكان الراعي يسرح بغنمه جنوباً ، وشمالاً ، والذئب على غنمه فلا يخشى إلا الله .
فجوبا كانت تحت السيطرة ، وملكال ، وكذلك واو ، وكادوقلي ، وتلودي ، وغيرها كثير ، ولم يستطع التمرد في ذلك الوقت الصعب قادراً على السيطرة ، أو الدخول الى مناطق هي الآن قد آلت إليه ، ثم سال لعابه الى أخرى ، بعد أن جاس خلال الديار ، العميل ، والأجنبي ، والصهيوني ، فكانت فرصة ذهبية تلك التي أتحناها ، ليختلط حابلنا بنابلنا ، وياليتنا نتعلم الدرس ، ويهبنا الله القدرة على التمييز بين الطيب ، والخبيث فتعود الإرادة غلابة كما كانت ، والإيمان قوياً مواراً بمثل ذلك الذي سعد به الشهداء .