صيحة الطيب مصطفى

485لدى الكثير من الناس، انطباع بأن الطيب مصطفى مؤسس «منبر السلام العادل»، شخص عدواني وشكلة جاهزة، وأجد لهؤلاء العذر، لأنهم لم يروا الطيب إلا متحدثا في منبر عام أو إعلامي، أو قرأوا له مقالاته، ومعظمها فعلا شكلة جاهزة، ولكن حقيقة الأمر هي أن الطيب شخص ضحوك ومهذار، ومن كبار مفبركاتية النكات عن قومه الجعليين، ما لم يكن مطالبا بالإدلاء برأي جاد حول قضية جادة. ففي مثل هذه المواقف تخرج الكلمات من فمه مندفعة، ويكتسي وجهه تكشيرة، فيعطي الانطباع بأنه «عدواني»، ومعظم مقالاته الصحفية طرح وسجال صريح وشديد الحدة، لأنه لا يحب اللولوة ويتعاطى كل شيء ب»سخونة» تفاديا لشبهة كسر الثلج
شهادتي في الطيب غير مجروحة، لأن بيني وبينه ما صنع الحداد: أقول له هذه حمامة، فيقول لي: عنزة ولو طارت، ولو قلت له إن باقان أموم خان قضيته وقضية أهله، قاطعني بقوله إن باقان فارس الحوبة. والشاهد من شطحاتي وفبركاتي هذه، أنني والطيب لا نلتقي فكريا في أي شيء، ولكننا «الشحمة والتلج»، فعلاقتي به التي بدأت بزمالة في جريدة «إمارات نيوز» الإنجليزية في أبوظبي ظلت حميمة على مدى عقود: هو «لا» يحترم خياراتي، وأنا لا احترم خياراته، ولكننا نحترم بعضنا البعض وحق كل منا في الاختلاف مع الآخر، وأعرف أن معظم أصدقائي سيقولون فيّ بسبب هذا الكلام ما لم يقله الطيب في ياسر عرمان، ولكنني دقة قديمة، وأؤمن صادقا بأن اختلاف الآراء والتوجهات لا يفسد الأخوة الخالية من الغرض
ما دعاني الى قول كلمة صدق في حق الطيب مصطفى، أنه ظل يلاحقني منذ عصر الانتباهة وانتهاء بعهد «الصيحة»، كي أكتب في الصحيفتين، ورفضت ذلك بكل أدب، لأنني ومن بين أشياء أخرى، اعتبر الطيب وسلفا كير مسؤولين عن انفصال الجنوب، وهو الانفصال الذي سيظل يؤلمني طالما هو قائم، وطالما أنا حي، ومع هذا فإنني من قراء الصيحة المنتظمين، ليس بسبب الود الذي أكنه للطيب، ولكن لأن براعة الطيب في العمل الصحفي تفوق براعته في أي ميدان آخر، فقد جعل الانتباهة الأعلى توزيعا بين رصيفاتها، ثم أسس الصيحة وجعل لها طعما ومذاقا خاصا، بل إنه نجح في الصيحة على نحو خاص بأن جعلها أقل حدة في طرح الأمور السياسية بدليل انه يستكتب فيها شخصيات تخالفه الرأي بالطول والعرض
انفردت الصيحة الأسبوع الماضي بخبر ذي دلالات عميقة، فقد زار السيد الرئيس كسلا، وافتتح فيها سوقا مركزيا للخضر واللحوم، وتوسطت السوق خيمة فخمة ضخمة للبيع المخفض، وغادر الرئيس كسلا «من هنا»، وطارت الخيمة في اليوم التالي من هنا. فص ملح وداب. اختفت بما فيها من بضائع، وبعد أن تفشى الخبر وذاع وعم القرى والحضر، صرح مسؤول في الولاية بأن ما عرض في الخيمة كان مجرد عينات أعيد تخزينها ليتم توزيعها لاحقا عبر منافذ التعاونيات. عينات من ماذا؟ اليورانيوم المخصب؟ لبن الطير المعدل وراثيا؟ أم ان السكر والشاي والزيت صارت في كسلا مثل هلال رمضان يلمحها الناس برهة قليلة، فيسعدون ويقولون: أوعدنا بعودة تانية يا رب؟
وتذكرني هذه الواقعة بكراسي كافتيريا المجلس الوطني، فقبل أقل من سنة تم توصيل 40 كرسيا جديدا لمقصف البرلمان، وبعد التسليم والتسلم بساعات كانت تلك الكراسي قد خرجت من البرلمان ولم تعد.