تقسيم الموازنة وقسمة الإعرابي

480بالأمس أعلنت وزارة المالية عن توزيع «كيمان مرارة موازنة 2017» ، وكالعادة جاءت تحمل مفارقة بائنة بين ما هو مخصص لما يسمى بالوزارات والقطاعات السيادية ، وما هو ملقى من فتات للوزارات والقطاعات الأخرى وبالأخص وزارتي التعليم والصحة ، ولطالما أعربت وزارة التعليم عن شكواها من ضعف التمويل الحكومي للتعليم الأساسي والثانوي والبحث العلمي، والمؤكد أن الصحة ليست أحسن حالاً وكثيرا ما شكا المعنيون بأمرها من شُح الصرف والتمويل الذي كان من الأسباب الرئيسة في تدني الأداء الصحي والطبي، بل أن هذا ما تعانيه وزارات ومؤسسات القطاع الخدمي عامة، ليس على مستوى الولايات فحسب وإنما في المركز بالدرجة الأولى الذي يذهب فيه أهل الدثور ممن يطلق عليهم «الوزارات والقطاعات السيادية» بالتمويل والصرف المعتبر و «يقبضوا السمينة» على رأى الساخرين الذين حين يجدون زميلاً لهم قد فتح الله عليه بمبلغ محترم يقولون عنه «فلان الليلة قابض السمينة»، وهكذا تقبض هذه الوزارات السيادية ــ والسيادة لله ــ السمينة ، وقد ظلت هذه القسمة المعتلة والمختلة هي السمة التي تسم أداء كل الموازنات عبر السنين بلا أى تغيير ولو طفيف يحسب لصالح الوزارات الخدمية ومؤسسات الدعم الاجتماعي ولجم غلواء الفقر، وإنما دائماً ما تأتي القسمة على حسابها لدرجة يمكننا معها القول، ما اغتنت جهة سيادية من مال إلا بما افتقرت به جهة خدمية أو مؤسسة خدمة اجتماعية، ومهما كانت المبررات والأسباب التي تمنح الوزارات السيادية هذه الحظوة المالية إلا أنه لا يعقل أن تصل بها إلى هذه الدرجة من المفارقة والفروق بينها وبين الأخريات اللائي لا يجدن سوى الفتات.
هذه المفارقة ذكرتني بقسمة الإعرابي الذي حل ضيفاً على رجل من أهل الحضر، وكان عند الرجل دجاج كثير وله امرأة وابنان وبنتان، والإعرابي في حالتنا هذه هو «وزارات القطاع السيادي »… قال الأعرابي لزوجـة الرجل: أشـوي دجـاجة وقـدميها لنا نـتـغـدى بهـا، فـلمـا أحضر الغـداء جلس الجمـيـع، الرجل وامـرأته وابـناه وبنتاه والأعرابي، فـدفـع الرجل للأعرابي بالدجاجة، وقـال له: اقـسـمـها بـيـنـنا، قـال الأعرابي: لا أحـسـن القـسـمة، فـإن رضـيـتم بـقـسـمتي قسـمت بـيـنكم، قـالوا: نرضى بقـسمتك. فأخذ الأعرابي الدجاجة وقطع رأسها ثم ناوله للرجل، وقال الرأس للرأس، ثم قطع الجناحين وقال: والجناحان للابنين، ثم قطع الساقين وقال: الساقان للابنتين، ثم قطع المؤخرة وقال: العـجز للعجـوز، ثم قال: الزور للزائر، فأخذ باقي الدجاجة بأكمله! فلما كان الغـد قال الرجل لامرأته اشـوي لنا خمس دجاجات، وعندما احضر الغـداء قالوا للأعرابي: اقـسم بيـنـنا، فرد: أظنكم غضـبتم من قسـمتي أمس، قالوا:لا والله، لم نغـضب، فاقـسم بيـننا، قال: شـفـعاً أو وتراً؟ قـالوا : وتراً، قـال: مخاطباً الرجل أنت وامرأتك ودجـاجة تصبحون ثلاثة، ورمى اليهم بدجـاجة، ثم أضاف قائلا: وابناك ودجاجة يصيرون ثلاثة، ورمى الثانية، ثم قال: وابـنتاك ودجاجة ثلاثة، ورمى الثالثة، ثم قال: وأنا ودجاجتان ثلاثة، ففاز بدجاجتين.
لاحظ الأعرابي أن الكل ينظر إلى دجاجتيه من طرف خفي بحنق كبير، فقال: لماذا تنظرون؟ لعلكم كرهتم قسمتي؟ ولكن الوتر ما تجيء إلا هكذا، قـالوا: اذن فاقـسـمها شـفـعاً، فأعاد الخمس دجاجات إليه ثم قال للرجل: أنت وابناك ودجاجة أربعة، ورمى إليـهم دجاجة، والعجوز وابنتاها ودجاجة أربعة، ورمى إليهن بدجاجة ثم قال: وأنا و ثلاث دجاجات أربعة، وضم إليه الثلاث دجاجات ثم رفع رأسه إلى السـماء وقال: الحـمد لله. وهكذا تحمد وزارات السيادة ربها على الرزق الذي يسوقه اليها..