ما هي أسباب فشل التخطيط الاستراتيجي في السودان؟!!

حسن-يحي-1التعريف المبسط للإستراتيجية هو فن استخدام وتطوير موارد الدولة وإمكاناتها وعناصر القوى الشاملة للدولة من أجل تحقيق الأمن القومي. تحقيق الغاية القومية العليا والإستراتجية يعني تحقيق الأمن القومي لها.
أصل كلمة الاستراتيجية اليوناني مأخوذ من كلمة (إستراتجيوس) وهي تعني القائد. القادة العسكريون في الماضي كانوا يمثلون قادة الجيوش ورؤساء لدولهم يتولون إدارة شؤون بلادهم. الفضل في تأسيس الاستراتيجية يعود للعسكريين. بالرغم من قدم الاستراتيجية إلا ان الدول العربية لم تعرفها إلا حديثاً. السودان أخذ بالتخطيط الاستراتيجي مع بداية الاستراتيجية القومية الشاملة. الخطط الاستراتيجية العشرية والسباعية السابقة كانت خططاً حصرية على الزراعة فقط ولا تشمل كل عناصر القوى الشاملة للدولة. الدول العظمى بنت نفسها عن طريق التخطيط الاستراتيجي فحققت الأمن والاستقرار والرفاهية لشعوبها وأصبحت تتحكم في مصير ومستقبل الدول النامية. الملاحظ ان الاستهداف الخارجي للسودان قد تزامن مع بداية الاستراتيجية القومية الشاملة حيث أوقفت الولايات المتحدة الامريكية مساعداتها للسودان بحجة ان القانون الامريكي لا يسمح بمساعدة الحكومات التي تأتي عن طريق الانقلابات العسكرية. النجاحات الكبيرة التي حققتها الاستراتيجية القومية الشاملة في مجال البنى التحتية وثورة التعليم العالي واستخراج البترول وتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح ومنح الفائض منه لدول الجوار وتحريق فاتورة الزيوت النباتية وتصدير الفائض منها. هذا النجاح الكبير في استغلال ثروات البلاد لم ترض عنه الولايات المتحدة الامريكية فأخافها وأزعجها لأنه تم بعيداً عنها بعد وقف مساعداتها للسودان. هذا النجاح الكبير جعل الحكومة الامريكية تصف حكومة السودان بأنها حكومة خطأ إلا إنها تقوم بأعمال صحيحة. لمحاصرة هذا النجاح فرضت الولايات المتحدة الامريكية في عام 1997م عقوباتها الاقتصادية والسياسية على السودان وظلت تقوم بتجديدها سنوياً بالرغم من اعترافها بتعاون السودان معها في حربها ضد الارهاب ومحاربة التجارة بالبشر. السودان تم ترشيحه ضمن أربع دول مرشحة كسلة غذاء للعالم والولايات المتحدة الامريكية تدرك هذه الحقيقة حيث انها اعترفت بأنه لا مثيل لها في العالم من حيث الثروات والموارد إلا السودان الذي وضعته بأنه قد أصبح يهدد أمنها القومي وإنها سوف لا تسمح له بالاحتفاظ بأراضيه الشاسعة واستغلال ثرواته وموارده الضخمة وهو خارج دائرة نفوذها بعد أن استقل بقراره السياسي بعيداً عنها ووقف ضد مخططاتها بالدول العربية والإفريقية والإسلامية ولكل هذا دعمت انفصال جنوب السودان بقوة ليصبح قاعدة متقدمة لها لزعزعة أمن واستقرار البلاد حتى لا تتمكن من استغلال ثرواتها ومواردها. الغاية القومية العليا للإستراتيجية القومية الشاملة هي (تأسيس نهضة حضارية شاملة) تمكن السودان من تحقيق ذاتيته وإشاعة الحريات لأهله وتحقيق المنعة التي تصون القيم الفاضلة التي يتحلى بها الشعب السوداني. أما الغاية القومية العليا للإستراتيجية الربع قرنية فهي (بناء أمة سودانية موحدة وآمنة ومستقرة ومتحضرة ومتطورة). إذا قارنا بين الرؤية للإستراتيجية القومية الشاملة والإستراتيجية ربع القرنية نجد أن الاستراتيجية القومية الشاملة كانت ناجحة بينما الاستراتيجية ربع القرنية كانت فاشلة حيث في سنتها الأولى تم انفصال الجنوب ولم يتحقق الأمن والاستقرار في البلاد. الاصلاح يبدأ بالإجابة على الأسئلة التالية: هل الدولة تنظر للتخطيط الاستراتيجي كغاية أم وسيلة لتحقيق غاية؟!! وهل التخطيط الاستراتيجي من أسبقيات الدولة؟!! وهل التخطيط الاستراتيجي ملزم للسلطة التنفيذية؟!! ما هو دور الأمانة العامة للتخطيط الإستراتيجي؟ هل هي جهة استشارية أم تنفيذية أم مركز دراسات إستراتيجية؟!! هل توجد للدولة خطة استراتيجية ربع قرنية؟!! أم خطط خمسية منفصلة لا رابط بينها؟!! هل العلة والخلل يكمن في التخطيط أم في التنفيذ؟!! هل الدولة تستفيد من مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية الموجودة وهل توجد ميزانية معتبرة للبحث العلمي؟!! هل التخطيط مبني على معلومات دقيقة ومرتبط بالواقع؟!!
خلاصة القول: التخطيط بلا تنفيذ لا يخرج عن دائرة المشاركة فقط في إدارة شؤون الدولة. من مبادئ التخطيط مركزية التخطيط ولا مركزية التنفيذ. التخطيط عادة مسؤولية النخب ومراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية. الصناعات اليابانية غزت العالم عن طريق تطويرها عبر البحوث العلمية. التخطيط الاستراتيجي في السودان يعيش في أزمة تحتاج لوقفة من الدولة قبل التفكير في وضع أي خطة استراتيجية جديدة. التخطيط الاستراتيجي تقاس فائدته بعائداته في زيادة الانتاج وتحقيق الرفاهية والأمن والاستقرار والحفاظ على كيان الدولة من المهددات الأمنية الداخلية والخارجية. تجربة ولاية الخرطوم في مجال التخطيط الاستراتيجي تعتبر أكثر تقدماً من تجربة الحكومة المركزية التي تحتاج لمراجعات سريعة.
ختاماً: التخطيط الاستراتيجي يحتاج لقانون لحمايته حتى يكون ملزماً لكل مؤسسات الدولة وبرنامج عمل يومي لنشاطها وتمويله يتم عبر استغلال الموقع الجيوبولتيكي للسودان بالتعاون مع حليف استراتيجي موثوق به مع الاعتماد على الذات كما فعلت اثيوبيا في انشاء سد النهضة الذي قام بمساهمات شعبية فأصبح مشروعاً قومياً.
وبالله التوفيق
* زمالة كلية الدفاع الوطني – أكاديمية نميري العسكرية العليا