وعود ترامب الانتخابية : هل ستتنزل على أرض الــــــواقع أم تذروها الرياح الســـوافي؟

بهاءالدين-مكاوياثناء حملته الانتخابية ، اثار المرشح الجمهوري دونالد ترامب والذي تمكن من الفوز برئاسة الولايات المتحدة عددا من النقاط المتعلقة بالسياسة الخارجية لبلاده . اثارت تصريحات ووعود ترامب مخاوف عديدة داخل وخارج الولايات المتحدة. وعلى الرغم من ان وعود الحملات الانتخابية (Campaign Promises) لا تؤخذ عادة مأخذ الجد ، الا أن مقولات واطروحات ترامب تكتسب اهمية خاصة وذلك للدور المحوري الذي تلعبه الولايات المتحدة الامريكية على المستوى العالمي ، ولان اطروحات ترامب وتوجهاته باتت تمثل تيارا عريضا له حضور طاغٍ ليس فقط في الولايات المتحدة بل وفي كل انحاء العالم وهو ما يعرف ب (الشعبوية ) ، الا انه من الواضح ان اطروحات ترامب تتعارض تماما مع الاراء والتوجهات التي سعت النخبة السياسية الامريكية الى ترسيخها عبر فترة طويلة من الزمن ، كما تضر بمصالح دول كبرى وحلفاء تاريخيين ، فهل يفي ترامب بوعوده ضاربا عرض الحائط بكل ذلك أم ان ضغوط الواقع ستفرض عليه خيارات اخرى تناقض ما وعد به جمهور الناخبين ، وتجعله يلتزم الاطار العام الذي رسمته تلك النخب للسياسة الامريكية ، والذي يتسق ومصالح الحلفاء والدول الكبرى الأخرى؟.
ان الاجابة عن هذا التساؤل تستوجب استحضار وعوده الانتخابية والنظر في الظروف التي تدفعه باتجاه الوفاء بها ، والقيود التي يفرضها عليه الواقع وتحول دون ذلك . وسوف نركز في هذا المقال على وعود ترامب ذات الصلة بالسياسة الخارجية وليس على وعوده في مجال السياسات الداخلية .
ان اهم النقاط التي اشار اليها الرئيس ترامب في مجال السياسة الخارجية وقدم الوعود بشأنها تتمثل في الاتي :
1- العلاقات مع روسيا :خلافا لاراء النخبة السياسية الامريكية والتي عبرت عنها منافسته هيلاري كلينتون ، والداعية الى تشديد العقوبات على روسيا ومساعدة الدول الاوربية لانهاء اعتمادها على الطاقة الروسية ، يشيد ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويدعو الى تأسيس علاقات امريكية روسية تقوم على اساس المصالح المشتركة للبلدين .وقال: «سأقيم علاقة جيدة جداً مع فلاديمير بوتين،كان زعيماً، اكثر بكثير مما كان عليه رئيسنا».
لكن اقامة مثل هذه العلاقة التي يطمح ترامب الى تأسيسها مع روسيا (بوتين) تعترضها عقبات كثيرة ،فقد تميزت العلاقات الامريكية الروسية -غالبا بالتوتر وعدم الثقة ، وتصاعدت حدة التوتر بسبب طموحات بوتين الرامية الى اعادة امجاد روسيا ، وتعقدت العلاقة وازدادت سوءًا بين الطرفين بسبب التدخل الروسي في اوكرانيا واحتلال شبه جزيرة القرم ، الا ان ترامب يؤمن بشكل قاطع بأهمية التعاون مع روسيا حول عدد من القضايا العالمية ، ويصر ترامب على هذا التوجه رغم النقد القاسي الذي تعرض له حتى من حزبه الجمهوري ، لكن يعتقد الكاتب ان تراكمات الماضي والصورة الذهنية الموجودة لدى القيادتين تجعل من الصعب تقبل فكرة كسر الحاجز العدائي والانتقال الى طور التنسيق والتعاون ، ومن المرجح ان المؤسسات : العسكرية والامنية والاستراتيجية والكونغرس ومراكز الدراسات التي تسهم في صناعة القرار السياسي ستقف كلها ضد هذا التوجه الجديد لترامب والعمل على اقناعه بعدم جدوى مثل هذا التوجه ، وقد بدأت قيادات امريكية بارزة مثل جون ماكين في انتقاد هذا التوجه الجديد مبينة تداعياته الخطيرة على الامن القومي الامريكي ، وكذلك انتقد مركز (Heritage Foundation) هذا التوجه معتبرا ان التعاون مع روسيا على النحو الذي يريده ترامب يضر ضررا بالغا بالامن القومي الامريكي ، ونعتقد انه ورغم ان ضغوط الواقع ستجعل حركته في هذا الاتجاه محدودة ومقيدة ، الا ان فترة رئاسته يمكن ان تشهد تطويرا للعلاقات بين الطرفين والتنسيق المشترك في بعض القضايا الدولية ، وستكون حدود العلاقة والتعاون الاميركي – الروسي احدى نقاط الخلاف الرئيسية بين المؤسسات ذات الصلة بعملية صنع السياسة الخارجية.
2- العلاقات مع الصين :خلافا لموقف كلينتون والنخبة السياسية الامريكية والتي تدعو الى زيادة التعاون مع الصين على اساس المصالح المشتركة ،يدعو ترامب صراحة الى التشدد مع الصين ومعاقبتها على ممارساتها غير التنافسية وسعيها المستمر لتخفيض قيمة عملتها بهدف الاضرار بالاقتصاد الامريكي . كما ألقى ترامب باللوم على قوى أجنبية في -تدمير-الصناعة الأميركية،مشيرا بذلك الى الصين واقترح فرض ضريبة على البضائع الصينية تصل إلى 45 في المئة.
ولا يتوقع المرء – كذلك- الوفاء بهذا الوعد الانتخابي، لان الاتجاه الغالب الذي تتبناه المؤسسات الامريكية المختلفة هو العمل على تطوير العلاقات مع الصين،ربما تعكر تصريحات ترامب وتوجهاته الاجواء بين الدولتين.لكن لا يتوقع اتخاذ مواقف كالتي تحدث عنها في حملاته الانتخابية ،من عقوبات اقتصادية واضرار بمصالحه لان سياسة العزلة التي يسعى اليها تتعارض مع مثل هذه التوجهات .
من جانبها تصدت القيادة الصينية بقوة لتصريحات ترامب حيث أكدت الصين طمـوحها في تـزعم مفاوضات التبادل الحر في منطقة آسيا والمحيط الهـادي وفي جميـع أنحاء العـالم، وقـال الرئيس الصينـي شيجـين بينـغ خـلال قمـة منتـدى التعـاون الاقتصـادي لـدول آسيا والمحيط الهادئ (ابيـك) التي عقدت في ليما (إننا لن نغلق باب التجارة أمـام العالم بل سنشرعه أكثرعلى مصراعيه) وكان الرئيس الصيني يرد بشكل غير مباشر على إشارات دونالد ترامب، الذي وعد خلال حملته الانتخابية بأنه سيقوم بتشديد الإجراءات الحمائية بهدف حماية الوظائف الأميركية من المنافسة الصينية والمكسيكية قليلة التكلفة.
وفي الواقع فإن الصين تملك الكثير من أوراق الضغط على الادارة الامريكية فعلى سبيل المثال قالت صحيفة «غلوبال تايمز» في افتتاحيتها إنه إذا قرر ترامب فرض رسوم إضافية على البضائع الصينية،فإن بكين ردا على ذلك سوف تحول طلباتها على الطائرات من بوينغ إلى إيرباص،وتقلص جدا مبيعات «آيفون» والسيارات الأمريكية،وتتوقف عن استيراد فول الصويا والذرة تماماً.
ويبدو ان هناك تراجعاً عن موقف الادارة الجديدة تجاه الصين فقد نفى كبير مستشاري السياسة الخارجية للادارة الامريكية ،ويلبرروس،الأمرحيث قال (لقد تم تحريف 45 في المئة من قول ترامب. هذا ليس ما قاله وليس ما ينوي القيام به).
3- البرنامج النووي الايراني : بينما تؤيد النخبة السياسية الامريكية الاتفاق الدولي مع ايران حول برنامجها النووي ، يرفض ترامب تماما الاتفاق النووي الايراني ويدعو الى تمزيقه ،ويعتبر ايران دولة راعية للارهاب ويؤكد على ضرورة تحجيم انشطة البحرية الايرانية واتباع سياسة اكثر تشددا مع ايران .
ابرم الاتفاق النووي في يوليو 2015 بين إيران والدول الست الكبرى (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين والمانيا) ودخل حيز التنفيذ في يناير 2016 ، ومن المؤكد ان الدول الكبرى سوف تعارض هذا التوجه بشدة ، فقد اكد وزير الخارجية الصيني وانغي يان تطبيق الاتفاق هو «مسؤولية مشتركة وواجب كل الاطراف» و»لا ينبغي ان يتأثر بأي تغييرات في الاوضاع الداخلية في الدول المعنية».وقالت وزيرة الخارجية الأوروبية فيدير يكامو جيريني – في تصريح لشبكة «سي إن إن» – «إن الاتفاق حول النووي الإيراني ليس اتفاقًا بين إيران والولايات المتحدة، بل هو اتفاق متعدد الاطراف». ، وبالتالي فإن الغاء الاتفاق من جانب الولايات المتحدة فيه خرق واضح للقانون الدولي ، وسوف يدخل الولايات المتحدة في خلافات جدية مع حلفائها الاوربيين ،وانه كما عبر السياسي المخضرم هنري كيسنجر « يشكل خسارة استراتيجية للولايات المتحدة الامريكية «، وربما يؤدي الغاؤه الى مواجهة مباشرة مع ايران وهو ما يتعارض مع توجهات العزلة التي يسعى ترامب الى اتباعها .
وقد بدا واضحاً تراجع الادارة الجديدة عن تصريحات ترامب الانتخابية في هذا الجانب فبعد فوزه في الانتخابات،قال مستشار ترامب وليد فارس في مقابلة مع هيئة الاذاعة البريطانية BBC (تمزيقه كلمة قوية جدا.. سيقوم بمراجعته فقط).
لقد جاءت تصريحات ترامب «القوية» بهدف استرضاء اللوبي الصهيوني في موسم الانتخابات ، لكن الراجح هو انه لن يستطيع حتى مراجعته، وسيكتفي بالتصعيد الاعلامي مع ايران بهدف ارضاء الرأي العام الامريكي مع بقاء الامور على ما هي عليه .
5- الامن الداخلي : ايضا يختلف ترامب مع الاراء السائدة في الاوساط السياسية الامريكية والتي عبرت عنها كلينتون في دعوتها لاغلاق معتقل غوانتانامو ، وحظر اساليب التحقيق العنيفة مع المتهمين بالارهاب ، حيث يرفض ترامب اغلاق معتقل غوانتانامو ويدعو للتوسع في اساليب التحقيق العنيفة مع المتهمين بالارهاب ، لكن رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الجمهوري،مايكرو جرز،قال إن تصريحات ترامب حول هذا الموضوع كانت مجرد -كلام حملة-.وبعد ان دعا ترامب إلى «الإيقاف التام والكامل لدخول المسلمين الولايات المتحدة» تراجع عن ذلك تحت الضغوط الشعبية وقال إنه «حظرمؤقت وهو مجرد اقتراح حتى نفهم ما يجري «
6- أمن اسرائيل : ولعل هذه هي النقطة الوحيدة التي يتفق فيها مع النخبة السياسية الامريكية حيث يؤكد على التزامه الصارم بأمن اسرائيل وتفوقها العسكري ورفض اي اتفاق يفرض على اسرائيل من جانب الامم المتحدة ، وكما لاحظ جون ميرشايمر وستيفن والت فإنه وفي كل الحملات الانتخابية « نكون واثقين بأن المرشحين سيتكلمون بصوت واحد حول موضوع واحد فقط : أمن اسرائيل « . وهو ما سيلتزم به نصا وروحا وما سيجد التأييد الشعبى الكبير داخل الولايات المتحدة الامريكية ولدى غالبية الدول الاوربية .
أخيراً …وحيث ان السياسة الخارجية في امريكا لا يصنعها الرؤساء فقط وانما تصنع بواسطة عدد من المؤسسات مثل ( وزارة الخارجية ، والاجهزة الاستخباراتية ، والكونغرس ، والمستشارين ، ومراكز البحوث والدراسات ) ، وفي اطار معادلات دقيقة وعلى ضوء معلومات شاملة وواقعية وصحيحة ، فستخضع اراء واطروحات ترامب للتشريح الدقيق والتأكد من صلاحيتها قبل اعتمادها كسياسة رسمية للدولة .