مجلس تشريعي أم تشبيعي؟

485جاء في «الصحافة» قبل بضعة أيام، أن نسبة الاعتداء على المال العام في ولاية جنوب دارفور بلغت 95,2% في عام 2015، وكي لا يهلل القارئ ويقول إن مسؤولي الولاية فيهم الخير، لأنهم أنفقوا 4,8% من ميزانية ولايتهم في الحلال وصالح الأعمال، فإن فريق المراجعة العامة الذي ما زال يعمل هناك أكثر من عشرين وحدة في الولاية، قال إنه لم يستكمل إجراءات المراجعة فيها، ومن المؤكد أن قوى البغي والعدوان على المال في تلك الوحدات أيضا نالت نصيبها من الثروة.
يقول تقرير المراجع العام – على ذمة الصحافة وليس على ذمتي – إن ميزانية ولاية جنوب دارفور شهدت نهب 576 مليون جنيه «بالقديم» بالأسلوب الذي أسماه التقرير «خيانة الأمانة»، وأن كمشة ملايين أخرى دخلت الجيوب بالتزوير، ثم يورد التقرير كلاما لا ينبغي أن يصدر عن محاسبين ومراجعي حسابات: تم صرف 610 ملايين كمكافآت وحوافز وإكراميات لأعضاء المجلس التشريعي.
نفهم ضمناً أن مئات الملايين التي دخلت جيوب برلمانيي جنوب دارفور، كانت «فوق» رواتبهم ومخصصاتهم. ألا يندرج هذا تحت مسمى التزوير وخيانة الأمانة؟ أليس ولاية جنوب دارفور خالية من التمرد وهي أكثر مناطق دارفور رخاء واستقرارا، وبالتالي يفترض أن مواردها المالية تخصص للتنمية الاقتصادية الشاملة، وليس «الفردية»؟ فعلام يكافأ أعضاء المجلس أولئك؟ ولماذا استحقوا التحفيز بالمال، ونحن لا نعرف لهم إنجازا يبرر حتى منحهم رواتب شهرية؟ الإجابة على هذه التساؤلات تكمن في كلمة «إكراميات»، التي تستخدم في السودان، وفي بعض الدول العربية كاسم دلع للرشوة، وهكذا يتم ليّ عنق اللغة وجعل مفردة ذات دلالات نبيلة تكتسب معنى قبيحا.
وعندنا في السودان معنى ملتبس لـ»التكريم»، غير المعنى المشار إليه أعلاه «عندما يقدم شخص ما مبلغا من المال نقدا أو عينا، لمن يؤدي عمله بالالتفاف على اللوائح المالية والإدارية والضوابط الأخلاقية»، فقنواتنا التلفزيونية تفجعنا مرة واحدة على الأقل في الأسبوع بنقل تكريم شخص ما، وفي بادئ الأمر كان المكرمون أعلاما، ثم دخل ساحات التكريم نكرات، وفي أحيان كثيرة يتم تكريم مجموعة من النكرات دفعة واحدة، لأن كل ما يتطلبه الأمر هو تقديم أوراق ملونة في إطارات زاهية، ولو كنت جعليا لحلفت بالطلاق، بأن بعض حفلات التكريم تلك «مدفوعة الثمن»، وقد يكون دافع الثمن هو المكرَّم نفسه، أو مجموعة تمسح جوخه، وقابض الثمن في معظم الأحوال هي القناة التلفزيونية.
وعلة هؤلاء القوم ومعهم قنواتنا الفضائية أنهم لا يميزون بين الاحتفال والاحتفاء، فيسمون كل «لمَّة» حفلا، وهكذا صرنا نقيم «حفلات التأبين»، والحفل لغة هو التجمع البشري والاحتشاد، ولكن الكلمة صارت تعني في أذهان العامة والخاصة، الاحتشاد للابتهاج وممارسة الفرح والهجيج والضجيج، بينما الاحتفاء كلمة مطاطية وحبلى بالمعاني ومنها الترحيب والتكريم، والأهم من كل ذلك ان «احتفاء» سلمت من الابتذال، ولكن الناس عامة ينفرون من الهمزات، و»لام» احتفال أخف على الأذن والأنف والحنجرة من همزة احتفاء، ولهذا فإنك وفي سياق فعاليات التكريم الكتبلاص، تسمع الخطباء يتكلمون عن «المُحْتفى به» مرارا وتكرارا، وليس «المُحتَفَل به»، لا لسبب سوى أن «محتفى» ليس بها همزة «وعندك: غدا وعشا ومسا وبير وليس غداء وعشاء ومساء وبئر».