عادل حمودة: السودان والمهلّبية (2 -2)

423(1)
أكثر ما قد يقلقك في متن الفصل الثاني عشر الذي خصصه عادل حمودة للسودان، هو حجم الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء التي تشف عن كثير من الخبال الذي تقرأه فيكاد يصيبك داء الذهول. ومما يثير الاستغراب حقاً صدور مثل هذا الهذر الهاذر عن مثقف لامع وصحافي بارز يُعد من رموز الواجهات الإعلامية في بلده. وتأخذ بلبك الحيرة أن رجلاً يأنس في نفسه تأليف كتاب عن السودان، ثم يتبين من السطر الأول انه يفتقر الى المعلومات الأساسية الاولية، وتعوزه المعرفة بتاريخ مشهود ومعاش وقريب للغاية، أوراقه وشخوصه وحادثاته متاحة بغير مال ولا جهد.
(2)
انظر، يا رعاك الله، وتأمل كيف يكتب الأستاذ عادل حمودة عن الرئيس السابق جعفر نميري وخلفيَّة قيادته لانقلاب عسكري في مايو 1969م. وتراه هنا يحكي بثقة الخبير ويروي بيقين العارف، ثم لا يقدم على ما يزعم أدلة ولا شواهد، وما حاجته الى الادلة والشواهد؟ يكفيه أن يكتب: (التقيت جعفر نميري واستمعت منه الى قصة استيلائه على السلطة)! وهذا ما سطره المثقف المصري الرفيع والمؤرخ الذي لا يُشق له غبار: (كان جعفر نميري قائداً لحامية جبيت في جنوب السودان، واستغل إجازته في الخرطوم كي يحصل على مرتبات ضباطه وجنوده المتأخرة شهوراً طويلة من قيادة الجيش في معسكر الشجرة، مقر قيادة القوات المسلحة. وعندما لم يجد من يستجيب له هدد بانقلاب عسكري سرعان ما نفذه. وقد اختار نميري شهر مايو توقيتاً للانقلاب لأن درجة الحرارة الممزوجة بالرطوبة يصعب احتمالها، ويصعب مقاومة من يفعل شيئاً فيها، ولو سعى لقلب نظام الحكم)!
ما هذا الخطل؟ ما هذا العوار؟ أيجوز أن الاستهتار بالسودان وشعبه، والاستخفاف بأمانة الكتابة عن قضاياه قد بلغت عند البعض حداً لا يؤبه معه للتفرقة بين تاريخ بلد في حجم الهند، وحواديت الأطفال؟! هل تذكرك رواية حمودة البلهاء هذه، حول انقلاب مايو، بما يشاع في بعض الدول العربية عن «كسل السودانيين»؟! ففي هذه الرواية يبلغ الكسل بقيادات الدولة والجيش مبلغاً عجيباً، إذ يؤثر هؤلاء التضحية بالحكم ومقاليده جملةً واحدة، بدلاً من التحرك فى الصيف القائظ لمنع محاولة انقلابية!
هذا رجل لا يعرف أن مدينة جبيت تقع في شرق السودان لا في جنوبه، ولم يقرأ سطراً واحداً عن دور الناصريين والقوميين العرب والشيوعيين وتنظيم الضباط الاحرار في التدبير لانقلاب مايو، ومع ذلك فإنه لا يتردد في التصدى لمهمة تنوير القارئ العربي، وربما الأجنبي، بكتابة فصول كاملة عن السودان. يا للبجاحة. يا للافتراء!
(3)
ويشرح المؤلف لقرائه الكيفية التي وطَّد بها جعفر نميري زعامته وثبّت أركان حكمه، فينبئنا أن الفضل في ذلك يعود الى قدراته الفذة في مهارات «المصارعة»، أي والله، المصارعة!
اقرأ وازدد علماً، وفوق كل ذي علم عليم: (جعفر نميري هو الحاكم الوحيد في تاريخ السودان الذي زار كل أقاليمه المتنوعة المترامية. وقد نال مبايعة قبائله المختلفة بمصارعة زعمائها. وساعدته بنيته القوية على ذلك)!
ولا بد انك ستجد العذر لمن يكتب مثل هذه الخزعبلات عندما تكتشف انه لا يعرف شيئاً عن اتفاقية أديس أبابا التي منحت جنوب السودان الحكم الذاتي الإقليمي عام 1972م ، فقد اورد هذا العبقري في كتابه عن اتفاقية أديس أبابا انها منحت الحكم الذاتي لكل إقليم من أقاليم السودان في الشرق والغرب والشمال والجنوب! هل تصدق؟!
وإذا كنت ممن استغلقت عليهم أسباب تطبيق الرئيس نميري للشريعة الإسلامية، ثم فضه المباغت لتحالفه مع الإخوان المسلمين وإيداعهم السجون في العام 1985م فلا تقلق، وابشر، ففي الكتاب الخبر اليقين، وستضئ لك حقائق التاريخ بنور عادل حمودة. وفيما يلى ملخص الرواية التي تفسر لنا جوانب مهمة من تاريخنا كما حررها الرجل: لم يشعر جعفر نميري بخطورة عدم قدرته على الإنجاب إلا بعد أن قبض مبلغ ثلاثة ملايين دولار ثمناً لعملية تهجير يهود الفلاشا إلى إسرائيل عبر مطار الخرطوم. لماذا؟ لأن الثروة جعلته يفكر في من يرثها؟ وقد استغلت جماعة الإخوان المسلمين قلق النميري فكان ذلك مدخلها اليه. وقد أقنعه الإخوان المسلمون بأنه إذا طبق الشريعة الإسلامية فإنهم يحملون له البشرى بالإنجاب من فتاة صالحة سيختارونها له. وقد قبل الرئيس الاتفاق وأنفذ أحكام الشريعة في البلاد. ولكن النميري اكتشف مؤامرة الاخوان الدنيئة في الوقت المناسب. لقد كان مخطط الإسلامويين هو تزويج الرئيس بفتاة حامل جاهزة بالطفل الذي وعدوه به!! انتهت الرواية. ونسأل: هل هذه صفحات من تاريخ دولة، أم تراها قصة من قصص الف ليلة وليلة؟!
(4)
وإذا كنت من غواة «الشمار» الاجتماعى فخذ عن الفصل الثاني عشر المخصص للسودان في كتاب عادل حمودة هذا السر الخطير، وفحواه أن الرئيس السابق جعفر نميري كان قد تقدم قبل الانقلاب للزواج بفتاة من آل الإمام المهدي، هي حفيدة الإمام محمد أحمد المهدي الكبير. ولكن آل المهدي استكثروا عليه ذلك الشرف فرفضوه وردوه على أعقابه، وقال له والدها: (كيف أقبل أن أزوِّج ابنتي من زول بتاع اندايات)؟! وربما جاز للمؤرخين بعد ذلك الاستعانة بهذه المعلومة ذات المغزى في تحليل وتفسير أسباب كراهية جعفر نميري للمهدويين، وحقده المستكن عليهم، وعدوانه الوحشي عليهم في الجزيرة أبا عام 1970م!
(5)
وعن هشاشة البنيات التحتية فى السودان والتخلف الحضارى الضارب اطنابه حدثنا حمودة، ولا حرج. من احاديثه العجاب انه جلس لمدة اثنتي عشر ساعة كاملة، منذ الثامنة مساء وحتى الثامنة صباحاً، فى مطار الخرطوم فى انتظار الطائرة التى ستعود به الى القاهرة. وعندما جاءت الطائرة غيّر الطيار رأيه وقرر ان يذهب الى جدة، بدلاً عن القاهرة، لان بعض السودانيين اقنعوه بأن لديهم اشغالاً هناك. واخيراً وجد حمودة طائرة وافق طيارها على الذهاب الى القاهرة فاستقلها، ولكن الطائرة قفلت عائدة مرة اخرى الى مطار الخرطوم لأن أحد الركاب اكتشف انه فقد محفظة نقوده فى المطار وطلب ان تعود الطائرة ادراجها حتى يبحث فى المطار عن محفظته الضائعة، فعاد الطيار! ولا عجب. فهذا – بحسب حمودة – بلد تسير فيه الامور بالبركة ويعيش الناس كيفما اتفق. وقد عاش صاحبنا فى السودان ردحاً من الزمان فرأى بعينيه ولم يحدثه احد. والمدهشات التى زعم انه خبرها كثيرة. من ذلك انك تجد فى السودان رجلاً مسلماً اسمه شنودة، وآخر مسيحى اسمه محمد. وثالث اسمه «التلفون ضرب»!
وجعبة عادل حمودة، العالم بأخبار السودان وأسراره مكتظة لا تفرغ، ومعينه لا ينضب. ورواياته الدرامية  المتوالية التى يقدمها على سبيل تنوير القارئ العربى بالسودان واهله لا تنقضى، ولا ينقضى عجبها.
(6)
غير انه من واجبنا الا نجحد فضل حمودة علينا فى السودان، كونه نصحنا، نحن الغافلين، وفتح أعيننا على بعض ما كان قد غاب عن بالنا. من ذلك انه نبهنا الى الخطر الذى تشكله اثيوبيا على حاضر العلاقات السودانية المصرية ومستقبلها. ولاثيوبيا احقاد تاريخية على السودان واطماع خفية فى ترابه. وبحسب حمودة:( لا ينسى الاثيوبيون ما فعلته جيوش محمد على بهم عندما دخلت هرر واعلنت الخلافة الاسلامية هناك ونجحت فى تحويل قبائل بأكملها الى الاسلام. ومن يومها واثيوبيا تحارب مصر فى السودان بالدس والوقيعة بين البلدين واثارة الفتن بينهما). ويتبرع حمودة فينبهنا مشكوراً الى ان اثيوبيا درجت تاريخيا على استخدام العاهرات والخادمات فى التجسس على السودانيين لخدمة اغراض الامن القومى الاثيوبى والتآمر على مصر والسودان. ولعل من يستخدمون الخادمات والمربيات الاثيوبيات، من ابناء وطننا الغالى، يقرأون هذا ويتنبهون الى الخطر الداهم فيطردون الاثيوبيات البصّاصات من دورنا ومرافقنا حتى لا ينقلن أسرارنا الى العدو!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال (واحد من الاساتذة الكبار فى الصحافة المصرية) قال. ياخي روح جاتك نيلة!