ماتت صاحبة الضحكة الباكية

427٭ رغم وجود كم هائل من المشكلات في حياتها ورغم وجود ذلك الخور الكبير المليء بالمياه الآسنة وجيوش الناموس والذباب التي كانت تتوالد فيه آمنة مستقرة ولا تشكو ظلم الإنسان لها.. بل تشاركه طعامه ودمه.. بل وتنقل له الواناً من الامراض.
٭ ورغم كل هذا تخرج كل يوم وتنظر إلى الخور وتلقي تحياتها لجيوش الذباب والناموس، وتحكي لكل من تلاقيه مشكلاتها وتضحك بشدة وتغني بصوت مرتفع أنواعاً من غناء الحقيبة والتم تم والسيرة والمناحة.. وتتابع أحداث الحي وحياة الناس وأخبارهم وتشاركهم السارة والحزينة.
٭ وهناك في المناسبات تختار مجموعة تطمئن اليها وتحدثها عن آمالها وطموحاتها، وتحكي عن أنها كيف ستسافر قريباً لتلحق بزوجها في احدى دول الخليج.. وتقول لهن إنه ارسل خطاباً وأخبرها فيه بأنه استأجر لها خادمتين من الفلبين يتحدثن الإنجليزية.
٭ فجأة تغير الحديث إلى الخور وجيوش الذباب والناموس وناس الحلة السادين دي بى طينة والأخرى بعجينة، وهى قد عجزت من ملاحقة الناموس والذباب.. بل وتعبت أيضاً من ملاحقة السلطات بالمذكرات والتلفونات.. وفجأة تضحك.. تضحك.. وتغني الغالي تمر السوق كان قسموا ما بحقوك.. وعندما تقول تمر السوق تضحك عالياً وتحكي عن بنت خالتها التي ولدت طفلتها مرسومة في خدها تفاحة، وتقول كانت أمها أي بنت خالتها قد اشتهت ان تأكل تفاحة وهى حامل، ولكن عجز الجميع عن تحقيق أمنيتها بسبب ارتفاع أسعار التفاح، وجاءت صورة التفاحة على خد الطفلة حتى تتحقق أمنيتها.. الوحم يا كدا يا بلاش وحم على التفاح.. بلا شطة ومش وفسيخ وحم متطور وراقٍ.
٭ كانت تضحك وتغني وتتكلم وتحلم، والناس من حولها ينظرون إليها في شفقة وحزن، ويستمعون إليها ويضحكون معها أحياناً ويبكون عليها أحياناً أخرى.. حتى ماتت من شدة الضحك ومن ثقل الحلم والملاريا.
٭ هكذا ماتت المرأة التي ذهبت الملاريا ومشكلات زوجها ومياه الخور الآسنة وجيوش الناموس والذباب بعقلها.. ذهب عقلها لكن كلامها لا يخلو دائماً من موضوعية ومنطق.. كانت مشكلات عادية في هذا الزمن السوداني، ولكن لم يحتملها عقلها، ورأت أن تعالجها بالضحك والغناء والتحدث عنها.
٭ حزنت كثيراً على موتها، ووسط حزني هذا أخذتني أصداء حياتها وتصرفاتها.. الناس يقولون ضحك الرجال بكاء ولكنها امرأة إنسانة تسخر من مشكلاتها بالضحك.. وتساءلت هل كانت مجنونة أم كانت تسخر من مشكلات الحياة بالضحك.. كانت تسخر من زوجها الذي تزوج بأخرى، وتسخر من الملاريا التي كانت تزورها في الشهر أكثر من مرة.. وتسخر من الوحمة على شكل التفاحة في خد الطفلة.. تسخر من الخور.. خور الناموس والذباب.
٭ يا ترى هل الضحك على المأساة والمشكلات مثل الضحك أمام المرايا؟ هو ضحك على النفس ومع النفس، وهو في النهاية ضحك مر له طعم الحنظل، لأن مصدر هذا الضحك هو الوجع.. وأكثر أوجاعنا إيلاماً أننا نرى المأساة ولا نستطيع ان نعمل شيئاً.
٭ رحم الله تلك المرأة التي ماتت وهى تحلم بالسعادة الزائفة وتمارس الضحكة الباكية.
هذا مع تحياتي وشكري.