لا يا حسن الجزولي (2-3)فوز ليست مي زيادة!

423(1)
من هي فوز؟ كل من له نصيب او بعض اهتمام بدراسات الثقافة السودانية لا بد ان يكون قد مر على الاسم. أنا شخصياً عبرت عليه عدة مرات وتفحصته، ثم قلبت الصفحات بحثاً عن الأفضل. آخر مرة وقفت فيها على اسم فوز كانت قبل عدة سنوات عندما جلست مستمعاً الى محاضرة بديعة بمدينة نوتنغهام البريطانية، اشار فيها المتحدث الى دور ما للسيدة فوز في سفر الفن والثقافة السودانية. ولو صدقت ذاكرتي فإن المتحدث اكتفي بإشارات متحفظة، وأعطى السيدة بقدر ما رأى أنه استحقاقها ولم يزد.
بحسب الجزولي فإن اسمها الأصلي هو الشول. لم يُعرف لها أب، فأسميت بأمها، فصارت الشول بت حلوة. وفي رسالة من الراحل الدكتور عبد الحليم محمد الى الراحل الشاعر صديق مدثر إشارة الى ان الذي اطلق عليها اسم فوز، صاحبة العباس بن الأحنف، هو الشاعر توفيق صالح جبريل (ص 30).
(2)
والحديث عن فوز مزعج بعض الشئ. يحفه الكثير من الحرج. كل من كتبوا عنها لفوا وداروا. أول من أتى باسم فوز وقدمه للناس كان هو الاستاذ حسن نجيلة (ملامح من المجتمع السوداني). الذي قدمها من زاوية علاقتها بضيوف دارها في ام درمان وما تهيئه لهم من متطلبات الراحة، ووصف تطوافها بينهم: (كانت تدور بين ضيوفها وهي تسقي بعينيها ويديها شهداً وخمراً). وختم حديثه عنها بأن قال: (ان رجلاً فاضلاً تزوجها وغفر لها الماضي). وبخلاف ذلك فإن الشواهد تترى في كل المصادر التي تطرقت الى اسم فوز، بما في ذلك كتاب (نور الشقائق) الذي نحن بصدده. إننا أمام امرأة قامت – هي و أمها – بتوفير خدمات الترفيه لعدد من الرجال، اتفق ان أغلبهم كانوا من موظفي الحكومة في عشرينات القرن الماضي. منهم شعراء وفنانون، وربما ناشطون في مقاومة الاستعمار البريطاني.
الجزولي نفسه قرر، وقدم فيضاً من الشواهد، ان فوز كانت تشتري الخمر من الحانات وتوفره لضيوفها. وانها كانت تقضي سحابات يومها وهزيع لياليها في مجالستهم ومؤانستهم، والاستماع الى الغناء والمشاركة فيه. وأنها لم تكن قد تجاوزت سن التاسعة عشرة عندما افتتحت تلك الدار. وأن هؤلاء الضيوف، الذين كانوا يقضون الساعات الطوال في دارها، كانوا يجهدون في الاستخفاء عند وصولهم الى تلك الدار، حتي لا يتنبه أحد الى شخصياتهم (أحيانا بدعوي الخوف من الرقابة الامنية للسلطات الاستعمارية. يا سلام!) وقد وجدت غاية في الطرافة ما أورده الكتاب عن البطل على عبد اللطيف، أنه لم يكن يرتاد منزل فوز مثل اصحابه (بسبب أنه لم يكن يحتسي الخمر ولم يكن يحب السهر).
ويبدو ان قضية غرق تلك الشخصيات في لجج الخمر هي التي حدت بواحد من أبرز قادة مؤتمر الخريجين، ووزير العدل في اول حكومة وطنية، الشاعر الكبير مدثر البوشي أن ينفي جملةً واحدة أي دور وطني لجمعية الاتحاد السوداني، فكتب ضمن مذكراته: (لو علمنا بها لحاربناها كالانجليز، لأنه لا يمكن لتنظيم وطني ان ينطلق من خمارة)!
(3)
تلك هي فوز فمن هي مي زيادة؟ المتفق عليه انها شاعرة وأديبة ومترجمة، تجيد ست لغات منها العربية والفرنسية والايطالية والانجليزية. درست في جامعة القاهرة ثم مارست التدريس. لها ديوان باللغة الفرنسية، كما نشرت عددا مهولاً من المؤلفات والكتابات الادبية والنقدية والاجتماعية. وقد اشتهرت بالصالون ذائع الصيت الذي كانت تعقده كل ثلاثاء. وكان من بين اصدقائها الخلّص عدد كبير من قادة الفكر واعلام الثقافة في مصر والشام واوربا. مقارنة مي بفوز لا تجوز. لسبب بسيط هو ان الثانية أمية، لا تقرأ ولا تكتب، وان تذوقت الشعر والغناء. بينما الاولى مثقفة عريضة، بمعايير زمانها وبمعايير اليوم. كما أنها منتجة للثقافة بلسان قومها وبألسنة الآخرين، وتعتبر من أعمدة ما عرف بالنهضة العربية. بل أن قيمتها زادت بمرور الوقت فصار اسمها اكثر توهجا في الدوائر الاكاديمية العربية والغربية، مقارنة مع جل الأسماء التي أمت صالونها. وليس الأمر هنا أمر الصالون الفكري كمساحة يلتقي فيها المثقفون والأدباء، وانما يرتبط الصالون بسيدته، وبالقدرة على البذل الفكري والعطاء الثقافي.
(4)
مي زيادة وروز مارى واضرابهما لم يكنّ شخصيات هامشية يدرن الكؤوس ويضبطن الايقاع على خلفيات الأغاني. نقول هذا مع حبنا للشعراء والفنانين ولثوار جمعية الاتحاد السوداني وجمعية اللواء الابيض، ومعزتنا الخاصة لفنان الشعب خليل فرح. ومع تقديرنا الكامل للحاجات (اللوجستية) لثوار وفناني عصر النهضة السوداني. الا انني اميل الى الاعتقاد أن حسن الجزولي، وهو باحث حاذق مشهود له بقوة العارضة الاكاديمية والثقافية، قد تجاوز في بحثه الذي بين ايدينا عن قاعدة راسخة في البحث العلمي، وهي تلك التي يسميها الاكاديميون «الاطار التاريخي». تلك التي تتصل بضبط الاحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحيطة بمادة المقارنة. وأكاد أزعم أن الجزولي، ربما بدافع الاشواق الوطنية، او الشوفينية الامدرمانية الغاشمة، اختار الا يعتني بإنجاز المقارنة المطلوبة المتصلة بأوضاع التعليم والخلفية الثقافية والمناخ العام الذي انتج مي زيادة واضرابها، والواقع الموازي الذي قذف الى اتون حياة صاخبة ومضطرمة بالشول بت حلوة ومثيلاتها.
(5)
خطر لي خاطر آخر حول ذلك القدر من الحرية الذى تمتعت به الشول و امها حلوة، في مجتمع ام درمان القبلي المحافظ، حيث جرت العادة ان تسكن مجموعات قبلية بعينها هذا الحي او ذاك. واذا عقدنا رباط ذلك الواقع بالطبيعة البطريركية للمجتمع الامدرماني في عشرينات القرن العشرين، جاز التساؤل: من اين نبعت تلك الحرية؟ ما هو مصدرها؟ هل الشول وامها حلوة تنتميان الى المجموعات المنبتة قبلياً؟ تلك التى أسست للتنظير حولها الباحثة اليابانية يوشيكو كوريتا في بحثها الشهير حول جذور القومية السودانية وثورة 1924؟ وان لم تكن الشول وامها حلوة تنتميان الى تلك المجموعات المنبتة قبلياً، فسيبرز بالضرورة سؤال آخر يلح على الخاطر: هل ترتب على الهزيمة التاريخية في كرري تفكك في اواصر القبيلة والتقاليد القبلية امتد لما يقارب الثلاثة عقود؟!
أعلم أن تلك لم تكن سكة الجزولي ولا من أغراض بحثه. غير أنني أرى ان الطريق منبسط أمامه كي يسير منقباً في هذا الدرب الشائك، بعد ان عبّده المرحوم الدكتور خالد الكد في بحثه الرائد حول الافندية ومفهوم القومية السودانية. ولا بد ان الدعوة الجريئة التى اطلقها القائد الشيوعي الراحل محمد ابراهيم نقد، في كتابه حول الرق في السودان، لاقتحام هذا المبحث البالغ الحساسية ما يزال صداها يسكن اذن صاحبنا وغيره من المثقفين الشيوعيين.