أعزك الله يا دكتور معز

485لماذا هناك اتحاد أطباء، ونقابة للمهن الطبية، واتحاد للمهن الطبية؟ ونحن نعرف أن ثلاثتها تحمل «ألقاب مملكة في غير موضعها / كالهرِّ يحكي انتفاخا صولة الأسد»، ومن الواضح من مجرد تداخل المسميات أن المسألة «سبّوبة» للجبايات، والدليل القاطع على ذلك افتضاح أمر استقطاع تلك الكيانات لمبالغ من العاملين في المستشفيات «من طرفْ» بذرائع مختلفة، من بينها دعم صندوق تأمين الأخطاء الطبية، وأكاديمية العلوم الطبية.
ومثل كثيرين جدا كنت أعرف أن اتحاد نقابة الأطباء قديم قدم المهنة في السودان، ولكنني لم أسمع عنه طوال سنوات إنجازا لمصلحة عضويته أو عامة الشعب، ولعل البعض لا يعرف أن نقابة الأطباء كانت رأس الرمح في الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بحكم جعفر نميري، ثم رفع السودانيون قبل أشهر قليلة طواقيهم وعمائهم و»باروكاتهن» احتراما للجنة الأطباء التي قادت قبل أشهر قليلة إضرابا، كان مطلبه الرئيس الارتقاء بالخدمات الطبية، بدرجة أن نائب رئيس الجمهورية تخطى بدوره اتحاد الأطباء الصوري، واجتمع بتلك اللجنة وجمهرة الأطباء المنضوين تحت لوائها، واعلن الاستجابة لمطالبها في إطار جدول زمني معلوم.
سال حبر كثير حول تلك الجبايات، وتم تسويد الصفحات بالمقالات حولها، ولكن استوقفني استنكار د. معز حسن بخيت مدير مستشفى النو لتلك الاستقطاعات القسرية، التي لا يسندها منطق ولا قانون، وتحدث عن «عمال مغلوبين على أمرهم لجأوا محتجين بوجوه يعلوها الرهق والتعب» على مكاتب مديري المستشفيات، لأن رواتبهم الشحيحة أصلا تتعرض للبتر، بتبرير سخيف مثل دعم صندوق الأخطاء الطبية، مع استقطاع آخر لمصلحة أكاديمية العلوم الطبية، التي ليست بخيرية، وتتقاضى رسوما دراسية من الطلاب الملتحقين بها، أنشأتها واحدة من تلك النقابات في دوامة الجبانة الهايصة التي جعلت بعض الوزارات تنشئ جامعات، متغولة على صلاحيات وزارة التعليم العالي، كما أثير في البرلمان اخيرا.
واعتزازي بما قاله د. معز، منشؤه أنه يجلس على رأس هرم مستشفى عريق، ولن يسبب له خصم 30 جنيها أو مائة من راتبه تحت أي ذريعة ثقبا في جيبه، ولكنه جهر بالاستنكار لأن المتضررين من تلك الاستقطاعات الجزافية، هم العمال البسطاء الذين يعني مبلغ 15 جنيها بالنسبة لهم الكثير، فهذا زمان «يا روح ما بعدك روح»، و»أنا ومن بعدي الطوفان»، ولهذا فإن يأتي طبيب ذو مركز كبير مطالبا برفع ظلامة فاضحة عن كاهل العامل البسيط، فمن الواجب إزجاء التحية له.
يقال إنه في تسعينات القرن الماضي وقف عامل حلفاوي أمام الصراف لتسلم راتبه الشهري، وعندما فوجئ بخصم خمسة جنيهات من الراتب، نبه الصراف إلى أن «المبلغ ناقص»، فجاءه الرد بأن الجنيهات الخمسة لنصرة أهل البوسنة، فما كان من الحلفاوي إلا أن مد للصراف عشرة جنيهات وقال له: دول مني للصرب، أشان ينشفوا ريق ناس بوسنة. وبداهة فإن الواقعة مفبركة، ولكنها بليغة الدلالات، فعندما تنتزع اللقمة من فم مسكين بحجة إطعام مسكين آخر، فإن صاحب اللقمة الأصلي يكون ناقما على المسكين الآخر، ومستحق الزكاة لا يزكي.
هنالك مثل نوبي – محسي بليغ، عن مثل الحالة التي يفرض فيها القوي المتسلط ،أتاوة على الفقير الغلبان، يقول «ديوللاكنفنقا دُكِّي» أي ينزع الكفن من الميت (ليستخدمه لمآرب أخرى)، فما شأن عمال المستشفيات بالأخطاء الطبية أو التعليم العالي وشروط خدمتهم خطأ ورواتبهم أبعد ما تكون عن «العلو»؟.