رجـلٌ شـغـلـته السـلـطة

422سألنى أحد الذين إنشغلوا بالسلطة زمناً ، حيث تقلب فى نعيمها ، وتمتع بإمتيازاتها ، وكان محور سؤاله يدور حول الدوافع التى تدعو بعض النَّاس إلى طلب السلطة ، وهو الذى يعرفها بحكم ما كان يداعب خياله ، ويضغط على نسيجه النفسى بضرورة إعتلاء عرشها ، والتحكم فى عجلة قيادتها .
ولقد أجبت الرجل ، إجابة أوضحت له ، بأن الذى سأل هو الأعلم بالاجابة الشافية ، ولا داعى أن أضيف إضافة لا معنى لها أمام قول الخبراء والعارفين ومن جربوا ، فالتجربة هى التى تقود نحو النتائج الصحيحة ، والحقائق الواضحة مما لا يقبل المراء .
ووفقاً ، لما ذكره السائل ، وبناء على تجربته المديدة فى أروقة السلطة ، ومراكز اتخاذ القرار ، والتحكم فى السياسات التى يتعلق جزء منها كبير بقضايا النَّاس ، بأنه لم يقصد بسؤاله الحصول على إجابات ، وإنما كان السؤال تذكيراً لمن لم ينل سلطة ، أو ذاك الذى يجعلها هدفاً لحياته ، ومحطة نهائية لدراسته ، وجهده الذى يبذله فى المجتمع ، تذكيراً لهم جميعاً بحصيلة تجربة ، كانت خلاصتها تشير الى ان طالب السلطة ، لا يتذوق طعماً للسعادة ، ولا راحة فى البال ، ويبقى همه الأول ، والأخير هو الشعور بأنه يمسك بأعنة السلطة ، ويملك اتخاذ القرار .
وعندما تتهدد سلطته عناصر ظاهرة ، أو خفية يفقد الذى لا يتنفس إلا فى موضع السلطة ، صوابه ، ويخرج من طوره ، ولا يدخر أى جهدٍ ، أو قوة فى سبيل مقاومة من يريد نزع السلطة منه ، أو أخذها بالقوة .
والمبتلون بحب السلطة ، لا يترددون فى سبيل بقاء سلطتهم ، واستمرار استبدادهم ، أن يشعلوها حرباً ضد المعارضين ، حتى وإن كانوا شعباً بأكمله ، وإثر ذلك تسيل الدماء ، وتزهق الأرواح ، دون أن يكون لها فى حساب طلاب السلطة أدنى تقدير ، أو قليل من الاعتبار .
ومن الخصائص العجيـبة لطلاب السلطة ، أنهم لا يجاملون أحداً إذا رأى غير رأيهم ، أو سار خلافاً لمشيئتهم ، فهم يؤمنون بأن البطش ، والتنكيل لمن يخالفونهم هو السبيل الوحيد لتظل السلطة فى أيديهم ، وأن أى تنازل ، أو مشاركة للآخرين تعنى بأن الأمر سينفلت ، ومركز السلطة سيتصدع ، لذلك نجد أن الكثير من الذين تعودوا على هذه السلطة ، لا يقبلون معارضة ، ويستخفون بمطالبات الأفراد ، والجماعات ، وليس لديهم مانعٌ أن يطأوا كل الشعب دوساً بالاقدام .
ويكفى أن نشاهد ما يحدث من حولنا فى ليبيا ، وسوريا ، واليمن ، لنتعرف على سوء السلطة ، وسوء طالبيها مما يكشف عنه ما نراه من واقعٍ حزين.