قضية أبيي … بين المداخل القانونية و«مجادلة» التأريخ..

تقرير: نفيسة محمد الحسن

ALSAHAFA-12-01-2017-18ما زال سكان منطقة أبيي يتلمسون الحلول المطروحة وهم يبحثون في اسباب اقحامهم في الأزمة بين السودان ودولة الجنوب …الامر الذي جعل منطقتهم في نزاع بين الدولتين، وذلك بدلا من طي المعضلة وحلها حلا جذريا.. متسائلين عن اعادة الأزمة عطفاً على تصريحات مسؤولي دولة جنوب السودان بتبعية المنطقة لهم خلال الايام الماضية…حيث اكد عدد من الخبراء عدم توافق بروتكول أبيي مع الصبغة القانونية المتعارف عليها في القانون الدولي في مثل هذه الحالات والقضايا…
ونفى دكتور حسين جبريل القوني في ورقته التي قدمها بالندوة التي اقامها مركز التنوير المعرفي امس تحت عنوان«قضية أبيي.. مداخل قانونية» نفى ان تكون أبيي ضمن اراضي دولة الجنوب حسب حدود 1956م كما نصت عليها اتفاقية السلام الشامل.. متسائلاً في اسباب ادخالها في الخلاف بين حكومة السودان والحركة الشعبية…مؤكداً ان بروتكول أبيي اشتمل على العديد من العبارات الفضفاضة التي قد تقود الى معاني اخرى…منتقداً توقيع الحكومة عليه دون الوقوف في تلك البنود والعبارات…ديمغرافية أبيي…
وقدم د/ القوني أطروحته حول المداخل القانونية لقضية أبيي من مدخل تاريخي..صوَّر من خلاله بعض ملامح منطقة أبيي الواقعة بين شمال بحر العرب، وجنوب كردفان في الفترة بين 1755 و1955م، مشيراً الى ان المسيرية وصلوا إلى منطقة أبيي منذ مطلع القرن الثامن عشر للميلاد، بينما وصل رصفاؤهم من دينكا نقوك إليها في عشرينيات القرن التاسع عشر للميلاد، ،وخلُص إلى هذه النتيجة على ضوء المصادر والمراجع ،مما يؤكد ان النتيجة التي توصل إليها د/القوني صحيحة، لأنه استطاع أن يعالج إشكالية البُعد التاريخي من خلال منهج أكاديمي..
ويرى خبراء أن انتشار دينكا نقوك بين مديريتي كردفان وبحر الغزال قد خلق بعض التعقيدات الإدارية لاحقاً، الأمر الذي دفع إدارة الحكم الثنائي إلى تخييرهم بين البقاء في مديرية كردفان أو العودة إلى وطنهم الأصل في جنوب بحر العرب، وفي ضوء إيثارهم البقاء في كردفان قررت إدارة الحكم الثنائي عام 1905م بأيلولة «ملكية موطن السلطان أروب » في منطقة ميثانق ديل في جنوب بحر العرب إلى مديرية كردفان، والتبعية الإدارية لدينكا نقوك لكردفان نتيجة لذلك، والسماح لهم بحرية الانتقال في مناطقها، لذلك لم يذكر القرار كلمة تحويل «transfer» لكي لا يطالب دينكا نقوك في المستقبل بالمناطق التي استقروا فيها في شمال بحر العرب إذا أرادوا الرجوع إلى موطنهم الأصل في مديرية بحر الغزال، ولم يذكر القرار مدينة أبيي الحالية، لأنها لم تكن موجودة في ذلك الوقت حيث لم يتم تأسيسها إلا بعد عدة سنوات من إصدار القرار، وبذلك تصبح النتيجة مفادها أن قرار عام 1905م يعني انضمام دينكا نقوك وأراضيهم في جنوب بحر العرب إلى مديرية كردفان، وليس تحويل مدينة أبيي الحالية من مديرية بحر الغزال إلى مديرية كردفان كما ورد خطأ في بروتوكول أبيي الذي حاول التطابق بين مدينة أبيي الحالية ومشيخات دينكا نقوك المستقرة في جنوب بحر العرب بدون أي دليل تاريخي.
واكد د/ القوني ان بروتكول أبيي سمى المنطقة بمشيخات دينكا قوك ال«9» علماً بانه عند الاستقلال لم تكن تلك المشايخ «9» ولم تسم الا في العام 1914م وتحويل دينكا نقوك من بحر الغزال الى كردفان عام 1905م ممايشير الى فرق في السنوات لكن رغم ذلك اعتبرت أبيي منطقة في الجنوب… وهنا القى الخبراء باللائمة على المبعوث الأمريكي جون دانفورث الذي صاغ بروتوكول أبيي دون وضع اعتبار للحقائق التاريخية المعروفة، الأمر الذي جعله يفسح المجال للتأويلات المختلفة، وذلك بعد تعثر المفاوضات وعدم تقدمها بسبب عدم اتفاق الأطراف حول كيفية حلِّ مشكلة أبيي.
مجادلة التاريخ!!
وبذلك عرَّف البروتوكوك منطقة أبيي في المادة الأولى فقرة «2» على أنها منطقة مشيخات دينكا نقوك التي حُولت إلى كردفان سنة 1905م، ونصَّ في المادة الخامسة على تأسيس مفوضية حدود أبيي، بهدف تحديد وترسيم منطقة مشيخات دينكا نقوك التسع التي حُولت إلى كردفان سنة 1905م، معتبراً د/ القوني ان هنا «مربط الفرس»، حيث يرى أن الاقتراح الذي تقدم به جون دانفورث، وضمَّنه في مقدِّمة البروتوكول الذي وَقَّع طرفا نيفاشا عليه في السادس والعشرين من مايو 2004م، يعدُّ من أبرز سلبيات اتفاقية السلام الشامل لعام 2005م، وذلك لتناقضه مع بروتوكوك مشاكوس، والمواثيق الدولية التي تحرص على تأمين سيادة الدولة وصيانة وحدة أراضيها مما قاد الى الطعن في حجية بروتوكول أبيي، ويرفض حق تقرير المصير الخارجي الذي يؤدي إلى تفتيت حدود القطر الواحد، وبذلك يصل إلى أن القانون الدولي مصحوباً بمبدأ قدسية الحدود الموروثة من الاستعمار يقضي بعدم شرعية بروتوكول أبيي، لأنه ربما يفضي في خاتمة المطاف إلى تحويل منطقة أبيي المتنازع حولها إلى جنوب السودان، علماً بأن ذلك الإجراء يتعارض مع مبدأ الحفاظ على سلامة وحدة أراضي شمال السودان الموروثة من الاستعمار، وتساءل د/ القوني عن اسباب التمييز الايجابي لقبيلتي« المسيرية ودينكا نقوك» في البروتكول… وعن تعديل بروتكول أبيي واضافة ملحق لها باضافة اعضاء لمفوضية أبيي وعددهم«5» خبراء من الخارج«بريطانيا وامريكا والايقاد» وعدم اضافة عضو عربي بحسب جنسية السودان العربي، وان يكون رئيس المفوضية احد هؤلاء الخمسة.
«خميرة عكننة»..
وعدد د/ كتور القوني عددا من سلبيات احتوتها اتفاقية السلام الشامل «نيفاشا».. منهاعدم التنبؤ باحتمالية انفصال الجنوب، واغفال المناطق التي بها تمرد وتركها معلقة لتكون« خميرة عكننة» في المستقبل.. كما اغفلت الاتفاقية وضع القبائل الحدودية، وعدم وجود نص جزائي في حالة عدم الالتزام بالاتفاق، بالاضافة الى عدم اهتمامها بالنشاط التجاري وعدم الاهتمام ببقية القبائل الاخرى الموجودة في أبيي.
وختم حديثه بان اتفاقية نيفاشا ساعدت في ايقاف الحرب لكنها تجاهلت استدامة السلام بوضع رؤية استراتيجية تدعو الى السلام والتنمية ونبذ العنف في كل المناطق..
وحول الاضاءات القانونية قال د/ القوني ان البروتكول نص على اعطاء المسيرية حقوقهم التقليدية بالرعي بالرغم من تعدد اهتمامات قبيلة المسيرية، دون اعطائهم حقوقا في التملك او الاقامة او الاستثمار وفي هذا قصور قانوني، كما اشار البروتكول الى ان تدار المنطقة بواسطة مجلس تنفيذي محلي دون الاهتمام بالكفاءات البشرية لادارة القضية بالاضافة الى حصر المسألة في مجلس تنفيذي محلي، كما اغفل علاقة المجلس بالحكومات المحلية والمركزية.
واعتبر القوني ان الربط بين الاستفتاء في الجنوب واستفتاء أبيي في وقت واحد تزامن مقصود به امر ما،وان الكيفية القانونية في تحديد المدى الزمني للمجلس الاداري كانت مهمة لكن البروتكول تجاوز هذا البند، متوقعاً ان تكون العقلية الاكاديمية هي المسيطرة على اتخاذ هذه القرارات.
وناشد الحكومة بالاسراع في كسب هذه الفرصة لحسم قضية أبيي، واقترح حلولاً للقضية منها ان يمنح سكان المنطقة الحق في ادارة انفسهم لمدة زمنية يتم خلالها احداث تنمية اقتصادية واجتماعية وبيئية ومن ثم الوصول الى الاستفتاء.