لا كرمسة ولا ترويسة 

485كنت في جوف طائرة في ذات كريسماس، ولم تكن المناسبة على بالي، لأنها تندرج تحت بند «الشهر الذي ليس عندي فيه نفقة»، ولكن سائق الطائرة توجه بالتهنئة للركاب، ووزعت المضيفات بنت الحان، التي هي الخندريس، والتي هي الداء والدواء في عالم أبو نواس، وسألني خواجة يجلس جواري: واي آرنت يوسليبريتنق؟ لماذا لا تحتفل؟ وسألته بدوري: هل احتفلت أنت بمولد محمد «صلى الله عليه وسلم»؟ ضحك الرجل وقال إن محمد ولد في تاريخ معلوم، بينما نحن ـ يعني المسيحيين ـ جعلنا من عيد الحصاد في أوربا ما قبل المسيح، مناسبة للاحتفال بذكرى ميلاد المسيح.. هيص يا رجل، وضحكت بدوري، وقلت له إن غالبية المهيصين والمهججين في الكريسماس في الخرطوم من المسلمين.
على كل حال أتقدم للإخوة المسيحيين في السودان بالتهاني في ذكرى مولد المسيح، بس عليهم أن يتفقوا حول تاريخ مولده: هل هو 25 ديسمبر، كما عند الأوربيين، أم 7 يناير كما في التقويم القبطي؟وأعتذر لهم بأثر رجعي وتقدمي لأنه لم يحدث أن شاركتهم، وليس في نيتي مشاركتهم الاحتفال بالكريسماس «بالمناسبة متى يحسم علماء المسلمين الجدل حول تاريخ مولد رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام؟ فقد سمعت من شيوخ ثقاة أن تاريخ مولده غير متفق عليه، لكون ذلك حدث قبل البعثة، بينما من المؤكد أنه توفي في 12 من ربيع الأول من السنة الحادية عشر من الهجرة»
تنبهت منذ عهد الشباب الأول إلى أن هذه المناسبة ـ عندنا في السودان على الأقل ـ لا يهتم بها من المسلمين إلا من هو «برج ـ وازي»، بينما أنا من برج «العذراء»، وسمعت الشيوعيين يقولون إن البرجوازيين «بطّالين»، ويتسمون بالنَفَس القصير والأفق الضيق، وأتذكر قول شاعرهم: عينا حبيبتي نقابتا عمال/ وخصرها أفق برجوازي صغير. يقصد أن يقول للحبيبة إن ضميرها «خاتم»، كما جاء في الكثير من شعرنا الشعبي، ولأن القارئ غير الشعبي لن يفهم الجملة السابقة، أقول إن «الضمير» هو الخصر وهي من ضمر يضمر بمعنى ضاق يضيق، وبالتالي فخصر الحبيبة ضيق بدرجة أنها تستطيع ان تلبس فيه خاتما، مما يعني أن الحبيبة تعاني من ويلات سوء التغذية، وأنها مجرد جلد على عظم، وأرجو من جيل الشباب الذي يعاني الكثير منه من تلف الأذن الوسطى، بسبب الكركبة التي يتمايلون على إيقاعاتها المختلة في الحفلات، أن يبحثوا عن أغنية «بدري من عمرك/ فرايحي اللون» للفنان الصومالي/ السوداني الراحل أحمد ربشة، لأنها درة كانت إذاعيتنا الأشهر الراحلة ليلى المغربي، تشجينا بها بانتظام في برنامجها الإذاعي الصباحي
ولم يسبق لي الاحتفال براس أو قعر أي سنة، لأن الاحتفال يعني الفرح، ولا جدوى من الفرح وأنت لا تدري هل العام الجديد يحمل إليك البشريات أم سيكون مثل ما سبقه من سنوات،ويجعلك مشرورا محسورا، والآن وقد انتهى الحوار الوطني وبدأ «الكوار»، فهل من أمل في أن أكون من الدماء الجديدة التي ستضخ بعض الحياة في شرايين الحكومة الكهلة؟ قطعا لن يحدث ذلك، فقد قيل لنا قبل حين من الدهر ليس ببعيد، أن مجلس الوزراء الحالي «قبل الإعلان عن تشكيله» يتألف من وجوه جديدة، بينما كان الشيء الوحيد الجديد، هو وجود وزير يحمل اسم عصمت، بعد ما أدمنت الحكومة إسناد المناصب لمن يحملون أسماء يسبب النطق بها أبو الشهيق.
المهم أن تهمة التخلف ظلت تلازمني في مؤخرة كل عام، وسأظل متخلفا في هذا الشأن طالما النفس طالع ونازل.