التلغراف يحكي عن الرسائل الواردة والصادرة .. الأسرة في فرح وليمة الجواب .. أين رسائلك وحكاياتك.. ؟

ALSAHAFA-13-01-2017-29الخرطوم: الصحافة – عمر
التطور الذي لحق بقطاع المواصلات، من تلفونات وبريد ورسائل.. كان مذهلاً وفي غضون سنوات كل الآثار القديمة قد لحقها الوداع.. لم يعد الخطاب موجوداً، ولم تعد التلفونات موجودة وجاءت (تعويضات لها) هذه التلفونات اللاسلكية.. فكان في قديم العهد ان أردت التحدث إلى قريب لك في البلاد الأخرى ان تصل إلى الخرطوم لاجراء الاتصال عبر (صف طويل) كلهم في انتظار (التلفون العالمي)..!
كنت أبعث برسالة إلى (قريبي) شهرياً، عبارة عن (نشرة أخبار اجتماعية شاملة عن الأهل والقرية، العاصمة، تشمل أخبار الأحياء والأموات).. وكنت أرسل (صحيفة حائطية) مكتوبة باليد إلى أسرة نادي القرية فتعجبهم ويرون فيها أنهم يطالعون الصحف، وأخبار (البلد)، فلم يكن هناك غير (الراديو) وأم درمان فقط..!
كمية الشوق الذي يتفجر عندما يصلك خطاب من الأسرة، ومن فيها ان كان أخاً أو حبيبة.. أمك وأبيك..!
الأستاذ/ عبد الله بخيت موجه فني (تعليم) – قال، نحن من جيل سابق لم أخرج من ولايتي الشمالية وعشت على عهدي مع أهلي بالعاصمة وخارج السودان، بالرسائل المكتوبة.. الخطاب يرسل عبر (النقل النهري ثم السكة الحديد) على مدى أسبوع تقريباً حتى تقرأ (الخطاب).. فتصور الفرحة، عندما تتسلم خطاب (خاصة من خارج السودان) كل الأسرة في حلقة واحدة حينها تطالع لهم الخطاب..!
سميرة محمد – دارسة علم نفس – قالت ان الخطاب كما يقولون (نصف المشاهدة) وهي أنواع، خطاب يهم الأسرة للتحية وارسال (مصاريف) ثم خطاب للسلام، والأشواق ما بين الزوج وزوجته وبه أخبار تهم الشريكين.. وخطاب آخر ما بين شاب وأخرى تزعم انه خطيبها، يبث فيه الهوى والنجوى والسلوى والأشواق، فالخطاب كان يرسل عبر وسائل النقل المتعارف عليها، وهي تحفظ الأسرار، والخطاب له قيمة كبيرة لدى الطرفين والثالث هو الناقل، فيفترض فيها الأمانة.. وهناك التلغراف ويستخدم أكثر في الأخبار (المزعجة) مثل (المرض والوفاة) أو أخبار (عقد القران) وإلى ما ذلك مثل الحوالات البريدية المالية خاصة عند آخر الشهر..!!
كان في كل وسيلة نقل براً وجواً ونهراً وبحراً صندوق لحمل الخطاب والأوراق المهمة، وكان موظف (البوستة) عند كل (محطة) يسلم الموظف المحدد بالمحطة ليقوم بتوزيعها، كما يقول الحاج الزين علي (معاشي بالبوستة)، وكانت عملية التوزيع تسلم باليد وتم استعمال الجمال والعربات وعلى الأرجل.. يتذكر الحاج الزين فترة عمله في (البرق) وارسال التلغرافات فوصفها (بالجمال والحنية) فالبرقية رغم ان (الناس) يتهيبونها، إلا انها نقلت أخبار ترقيات وزيادة مرتبات.. واني أتحسر على ضياع موروث (البريد والبرق) رغم ان المسألة تتعلق بالتطور والتقدم في شأن الاتصال والمواصلات، إلا ان (التلفونات) كما نسميها الآن كان يفترض أن تستمر..!!
الأغنيات الجميلة والألحان الباقية الممتلئة بالشوق والود و(اللوم اللطيف) عكست (أهمية الخطاب) حينها، فقال صلاح مصطفى مغنياً ومردداً (أكتب لي يا غالي الحروف).. وقال أحمد الجابري أيضاً (وين خطاباتك إليّ).. والمرسال لمحمد وردي، و(مغنون) كثر رددوا، عن الخطاب و(غلاوته وحلاته) حينما يكون به أجمل هدية.. في الخطاب أخبار (تسر وتفرح).
(جيلنا) عاش زمن الخطاب، وتلمس بدايات الاتصال الحديث، حتى (غرقنا) في بحر الموبايل و(الرسائل) الواردة والصادرة التي (مسحت) من الذاكرة حكاية (التلغراف الورقي) فالرسالة، هي تلغراف شخصي الكتروني.. وجيل اليوم الذي مازال يبحر في (محيط عريض) من الاكتشافات اليومية والتجديد المستمر، حتى صناعة الاتصال هي الأولى.. (تهدد بوجود) العلاقات الاجتماعية الباقية إلى زوال، فبعد أن كان (الخطاب الورقي) أصبح الخطاب الكترونيا ليس فيه (حميمية) ولا شوق.. ربما تطالع ما في الرسالة وتعمل (مصهين) كأنك لم تقرأها.. إذا فيها ما يدعو إلى بذل جهد أو استجابة لنداء خير.. أم ابلاغ عن (بكاء وحزن)..!
الأستاذ محمد عبد الماجد المراسل الصحافي المعروف من مدينة الدويم، قال قبل وفاته – رحمه الله – ان (التلفونات يجب أن تستمر لا تمسح من ذاكرة الناس، ولابد من قيام «متحف صغير» يترجم التطور الذي حدث في مجال الاتصالات، لا يكفي فقط جهد الشركات بل، أساس البريد والبرق والطرود والرسائل الكبيرة).. كان محمد (مهموماً) بكبانية الدويم..!
مئات الطلاب في الجامعات وتخرجوا فيها درسوا هندسة اتصالات ومجال (البرق).. وصيانة هذه الأجهزة الالكترونية المعقدة.
أطفال يلعبون بالأجهزة الذكية، وأخشى أن تصيبهم (هلوسة) الذين فقدوا عقولهم من التلغرافات.. وارسالها وتلعب أصابعهم بالكلمات..