هل يجوز صرف الزكاة لمنظومة الأمم المتحدة..!!؟

طرحت عدة جمعيات خيرية وإنسانية، وجمعيات الهلال الأحمر من بعض الدول الإسلامية هذا السؤال على البروفيسورعلى القرة داغى الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على النحو الآتى :
السؤال : هل يجوز صرف أموال الزكاة والأوقاف الإسلامية لمنظومة الأمم المتحدة ؟ علماً بأن جزءاً من المبالغ المخصصة للأعمال الإغاثية للأمم المتحدة سيذهب لتمويل المصاريف الإدارية الباهظة لمكاتب الأمم المتحدة المختلفة الخاصة بشؤون الدعم الإنساني، وجزءًا آخر من تلك الأموال سيستخدم لتأمين المصاريف الإدارية للمنظمات الإغاثية غير الحكومية الدولية والمحلية ، ويضاف الى ذلك أن قرارات الصرف والتنفيذ لن تكون بأيدي الدول أو المؤسسات الإسلامية، كما أن الضغوط على الدول الإسلامية بحجة الحرب على الإرهاب قد تجبرها – أي تجبر دولنا – على دفع هذه الأموال أو أجزاء منها للأمم المتحدة ، إضافة إلى أننا بذلك سنفقد التضامن والتعاضد بين المجتمعات الإسلامية، خاصة أن مؤسسات الأمم المتحدة الإنسانية تستخدم المؤسسات الغربية لتنفيذ مشاريعها وكثير من هذه المؤسسات يعمل ضد أجندة أمتنا الإسلامية وتنشر أفكارا لا تتوافق مع شريعتنا الغراء.
كما أن قسماً من تلك الأموال سيصرف لتمويل الأعمال الإغاثية في بلدان غير إسلامية ويستفيد منه غير المسلمين سواء كانوا كتابيين أم وثنيين.
وعلماً أن تخصيص أموال الزكاة والصدقات والأوقاف الإسلامية لمثل الغاية المذكورة في مقدمة السؤال سيحرم المجتمعات الإسلامية المحلية في البلدان المسلمة من أهم الموارد المتاحة لسد حرمان المحرومين وتأمين حاجات الفقراء والمصابين وغير ذلك المصارف الشرعية للزكاة كالإنفاق في سبيل الله على طلبة العلم الشرعي ونحوه؟
أفيدونا في ذلك تفصيلاً جزاكم الله كل خير، ودمتم ذخراً للإسلام والمسلمين.
الجواب:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد،
تمهيد:
إن الإسلام العظيم انطلق من عالميته لتكون في تشريعاته رحمة للعالمين، ومن إنسانيته لتكون أحكامه خيراً للبشرية جمعاء، وشفاء لكل الأمراض والوباء.
ولكن الإسلام أولى لمن تبنّاه والتزم به عناية قصوى، وخصوصية في الأحكام والتشريعات شأنه في ذلك شأن أي دين.
وقد ظهرت آثار العالمية والخصوصية في تشريعاته المالية أيضاً حيث أوجب على المسلمين فرائض مالية أهمها الزكاة التي جعلها الله تعالى الركن الثالث من أركان الإسلام، وجعلها شرطاً للأخوة الإسلامية فقال تعالى (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (التوبة:11).
ومن المعلوم أن للزكاة خصائص، ومزايا، وخصوصية لا توجد في غيرها من التشريعات المالية.
ومن عالمية الإسلام جواز صرف الصدقات العامة والأوقاف لجميع بني البشر من المحتاجين بل للحيوانات، وفتح بذلك أبواب الخيرات عليهم جميعاً، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: «في كل كبِد رطبة أجرٌ» (رواه البخاري في صحيحه الحديث (2363) ومسلم الحديث (2244) وفي رواية صحيحة أخرى في البخاري 2466، 6009) بلفظ «في كل ذات رطبة أجر».
صرف الزكاة والأوقاف والصدقات المخصصة عن طريق الأمم المتحدة: أود أن أبين بأن الأمم المتحدة لها جهود مشكورة في مجال الإغاثة على مستوى العالم، ونحن ندعو دول العالم الإسلامي إلى التعاون البناء معها، والسعي الجاد لإصلاح مؤسساتها الإنسانية، وتطويرها.
ومع ذلك فإن الأدلة الشرعية واضحة في عدم جواز صرف الزكاة إلى الأمم المتحدة حتى ولو لصرفها على فقراء المسلمين وذلك للأسباب التالية:
إن الزكاة عبادة، وفريضة دينية مع كونها تكافلاً مالياً وتضامنياً وتعاوناً مع الأغنياء لتحقيق التكافل داخل المجتمع الإسلامي.
ولهذه الخصوصية ظل جمع الزكاة وجبايتها وصرفها وتوزيعها على مصارفها الثمانية من واجبات الدولة الإسلامية بدءاً من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ثم الخلافة الراشدة ثم العصر الأموي، والعباسي، والعثماني.
فهكذا كانت الدولة الإسلامية مسؤولة عن الجمع والصرف والتوزيع تحت إشراف العلماء والقضاة طوال ثلاثة عشر قرناً.
إن تغيير هذا الإجماع، والعرف المطرد، لا يجوز إلا بدليل مثله في القوة، كيف ولا دليل، بل الأدلة تؤكد هذا الإجماع العملي.
إن العلماء متفقون على أنه لا يجوز استقطاع أكثر من 12,5% في جميع الأحوال، وفي جميع المراحل إلى أن تصل إلى المستحقين، فمثلاً لو قامت جمعية بجمع الزكاة، وأخذت منها 10% فلا يجوز للجمعية التي تقوم بتوزيعها إلا أن تأخذ 2,5% ولذلك يجب أن يتم التوافق بين جميع الوسطاء حتى لا يأخذوا أكثر من 12,5%.
ومن المعلوم كما في نص السؤال أن المنظمات التابعة للأمم المتحدة تنفق نسبة كبيرة جداً في المصروفات الإدارية من الأموال المرصودة للإغاثة، وهناك مشاكل كبيرة حتى جعلت الأمين العام للأمم المتحدة دعا إلى عقد مؤتمر القمة العالمية للعمل الإنساني، لإحياء التعاطف، والتعاون الحقيقي بين عمال الإغاثة وأولئك الذين يسعون إلى مساعدتهم،وقد كتب في شبكة (IRIN) مجموعة من المقالات تنتقد بشدة كثرة المصروفات على حساب أموال الإغاثة، منها مقالة بعنوان «هل يوجد أمل في إصلاح النظام الإنساني» لفرنسيس أجليش جاء فيه: وتنتقل 23 مليار دولار التي يتم إنفاقها سنوياً على المساعدات الطارئة في طريق ملتو من التعاقد من الباطن (الجهة المانحة – وكالة الأمم المتحدة – منظمة دولية غير حكومية، المنظمات الوطنية، المنظمات المجتمعية) تأخذ فيه كل جهة فاعلة في سلسلة التوريد جزءاً من التكاليف العامة وتؤثر على إنجاح المساعدات تاركة للسكان المحليين الذين يتضررون بالفعل فرصة ضئيلة للمشاركة بالرأي وكمية أقل من المال، وفي كثير من الأحيان تكون جهود الإغاثة غير ملائمة لاحتياجات أو ثقافة المجتمعات التي تستهدفها، واحيانا تهمشهم.
وهناك مقالات أخرى داخل موقع الأمم المتحدة و (IRIN) أكثر انتقاداً وشدة حيث دعت إلى قلب النظام برمته رأساً على عقب، حيث يرى أصحابها ضرورة تقلص النظام الدولي الإغاثي، وتقوية القدرات المحلية، حتى أصدرت منظمة أوكسفام اخيراً بحثاً حول هذا الموضوع بعنوان «قلب النظام الإنساني رأساً على عقب» وتشير التقارير إلى أن رواتب موظفي مكاتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية عالية جداً، وأن مصروفات مكاتبها وحركة النقل قد تصل إلى حوالي 40% من حجم الأموال المجمعة.
لذلك كله فلا يجوز صرف الزكاة لهذه الجهات أبداً لما ذكرنا في هذه الفقرة، والفقرة السابقة.
إن المستحقين للزكاة محصورون ومحدودون بنص القرآن الكريم حيث يقول تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة 60)؛ وبالتالي فيجب البحث بدقة عن مدى تحقق هذه المواصفات في كل شخص يطلب الزكاة، هل هو فقير مثلاً أم لا؟ وإذا كان فقيراً فهل هو قادر على الكسب؟ ثم إن ادعاءه على كونه فقيراً يحتاج إلى دليل، وهكذا الأمر في كل صنف.
فقد جاء إلى النبي رجل فقال: أعطني الصدقة – أي الزكاة- فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات ، حتى حكم هو فيها ، فجزأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك « رواه أبو داود الحديث (1630) ودرجته لا تقل عن الحسن والصالح، ورواه ابن عساكر في تأريخ دمشق (34/345) بسند حسن، ورواه ابن عبد البر في الاستذكار (3/90).
ولذلك اتفق العلماء على عدم جواز صرف الزكاة للأغنياء وللقادرين على الكسب.
ومن جانب آخر، فإن جمهور الفقهاء لا يجيزون صرف الزكاة لغير المسلمين، لأنها تؤخذ عبادة وتعبداً من أغنياء المسلمين ثم تصرف على فقرائهم، كما ورد ذلك في الحديث الصحيح المتفق عليه الذي رواه البخاري (1395) ومسلم (19) وغيرهما بسندهم عن ابن عباس قال: إنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ: «… فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم»، ذكر شراح الحديث أن الحديث دليل على أن الزكاة كما أنها تؤخذ فقط من المسلمين فكذلك لا تصرف لغيرهم، يراجع شرح مسلم للنووي (1/197)، ولذلك ادعى ابن المنذر في كتابه الإجماع ص (8)، وابن قدامة في المغني (2/487): «أن العلماء أجمعوا، أو أنه لا يعرف بينهم خلاف في أن زكاة الأموال لا تعطى لكافر» نعم هناك خلاف في أهل الذمة داخل الدولة الإسلامية، فأما غيرهم فلا يوجد قول معتبر، ودليل يقف أمام الأدلة القوية المعتبرة للجمهور.
ولكن هذا لا يعني أن الإسلام حرم غير المسلمين من خيراتهم أو من خيرات الدولة، فأموال بيت المال من الفيء ونحوه من ثروات البلاد المعدنية ونحوها تُصرف للمواطنين من غير المسلمين، ولخارج البلاد، حسبما تقتضيه المصلحة العامة، كما أن الإسلام أجاز صرف أموال الصدقات العامة من المسلمين لغيرهم.
وبالإضافة إلى ما سبق فإن الأصل في الزكاة صرفها في مكانها للفقراء ، ولبقية المستحقين، وأنه لا يجوز نقلها إلى بلد آخر إلا بشروط وضوابط وهناك خصائص أخرى للزكاة لا يسع المجال لذكرها.
والخلاصة أن للزكاة خصوصيات وخصائص باعتبارها عبادة مالية ودينية، وبالتالي فلا يجوز صرفها إلا من قبل جهات إسلامية مطلعة على تفاصيل أحكام الزكاة، وعالمة بأحكامها وشروطها وضوابطها، وحريصة على تحقيق شروطها وضوابطها، والالتزام بخصائصها، وخصوصيتها، والالتزام بعدم تجاوز المصروفات الإدارية عن 12,5% في جميع الحالات وفي جميع المراحل.
وبما أن ما ذكر من الشروط والضوابط يكاد يكون تطبيق جميعه شبه مستحيل من قبل المنظمات الدولية فلا يجوز صرف أموال الزكاة إليها. ولكن لا مانع شرعاً من تعاون المنظمات والجمعيات الخيرية والهلال الأحمر مع المنظمات الدولية الأممية والإنسانية لتوصيل الزكاة إلى الفقراء والمحتاجين المستحقين للزكاة حسب الشروط والضوابط السابقة على أن يكون الإشراف لهذه الجمعيات والمؤسسات على الصرف والتوزيع وعلى أن لا تزيد المصروفات الإدارية في جميع مراحلها عن 12,5%.
وأما أموال الوقف والصدقات العامة فمع جواز صرفها لغير المسلمين إذا لم تكن مقيدة، لكن الإشكالية في منحها للمنظمات الدولية هي مشكلة المصروفات الإدارية العالية حيث حددت القرارات الجمعية والندوات الفقهية أيضاً بأن لا تزيد المصروفات عن 12,5%.
ولذلك فالمطلوب شرعاً هو الحرص الشديد على هذه الأموال الخيرية بأن تصل كلها أو على الأقل 87,5% منها إلى مستحقيها، وهذه أمانة حملت بها الجمعيات والمؤسسات الخيرية الإسلامية فلا يجوز التخلي عنها أو التقصير فيها.
نعم لا مانع من التعاون البناء مع المنظمات الأممية، والإنسانية ولكن بشرط أن يتحقق الإشراف والتوزيع من قبل المؤسسات الخيرية الإسلامية، ولا مانع من أن تعطى من هذه الأموال (أي غير الزكاة) لغير المسلمين..هذا والله أعلم.