رواية «أشباح فرنساوي» لمنصور الصوِّيم… استرداد الذّات سردياً

« دراسة نقدية» : ناصر السيد النور*

ALSAHAFA-14-01-2017-42 ALSAHAFA-14-01-2017-43تُعد رواية «أشباح فرنساوي» لمنصور الصوَّيم، من بين الأعمال الأربعة التي صدرت للروائي الذي تُرجمت أعماله الى اللغتين الانكليزية والفرنسية. تتضمن الرواية سبعة عشر فصلاً من القطع المتوسط، وترجم فصلها الأول الى اللغة الانكليزية وصدر في كتاب «اصوات عربية جديدة» باللغتين العربية والانكليزية عن دار الساقي بلندن. البنية السردية و السياق الروائي:
لا ينطلق النصّ الروائي في إطلاقتيه اللغويَّة و السردية مفكَّكاً عن بنيته المعرفية الُمشكِّلة لسياقاته الروائية التكوِّينية حين تكون طبقات السرد نصين يختلفان في المبنى أي المفاهيم التي ينهض عليها. و يشتركان في المعنى من حيث الحدود التي يصلها السرد عبر حوامله الهيكلية، و هي البنيَّة التقليدية في بناء النصَّ الروائي المكونة من الشخصيات و الأحداث و الشخوص الروائية ..الخ بالحد الذي يتكيف مع أصول النصوص اللغوية قبل أن تتجسد بفعل القوى السردية ومركباتها الوصفية المباشرة في نقل الواقعة السردية روائيا لتفعيل النص الروائي وفق محدداته النصيِّة. فإذا كانت البنية السردية تندرج ضمن المكونات التأسيسية للنص الروائي، فإن السياق الروائي حيث تجرى الأحداث مكونة مصدرا يستطرد السرد الفعل الروائي بمقتضى اللغة المفسرة و المعبرة عن تكوين الخطاب الروائي. و بما أن الأحداث والشخصيات الروائية سابقة في التحقق على بداية النص من حيث التجربة بالنسبة إلى الروائي، فإن حضوره « متجلياً» في السياق الروائي يكاد يكون وجودا مستقلاً عن جملة التصورات الروائية بما يشكل عالماً ليس بالضرورة – على خلاف النقد الرومانسي – موازياً للنص الروائي، بل حضوراً مهيمنا يشرع في تقنين وجوده على في بنية النصِّ الروائي ولغته المعبر عنها بحركة الفعل السردي. في تشريحه النقدي الكلاسيكي يقول الناقد الكندي نورثروب فراي في ملاحظته النقدية : «عند قراءتنا لأي موضوع] نصّ[ فإن انتباهنا يتحرك باتجاهين أحدهما الى الخارج ما نقرأ من كلمات، و ما تعنيه هذه الكلمات أو عملياً بالعودة الى ذاكرتنا للربط بينهما. أما الاتجاه الآخر فإلى الداخل الجاذبية التي نحاول من خلالها نطور من الكلمات أو الإحساس. ففي كلا الحالتين نتعامل مع مرموزات، و لكن فيما يربط المعنى الذي لدينا، بالإضافة الى الرمز الشفاهي أو ما يمثله أو ترمز اليه». و هو التفسير الذي يقارن بيِّن النص في الواقع و السرد.
الرواية و التتابع السردي:
إنَّ المدخل الذي حاولنا من خلاله فهم النصّ داخل المفهوم الروائي و علاقاته المتفاعلة مع بنية مفاهيم تتعلق بتحليل و مقاربة النصَّ و الخطاب الروائي، قد يتيح للقارئ التوغل بإدراك مسبق الى واحد من أعمال الصويم الأكثر تعقيداً من حيث بنائها التكويني كمكون روائي ينفذ الى مفاهيم فكرية و نصية «روائية». ففي رواية « أشباح فرنساوي» نعثر على نصين أحدهما في السرد و الآخر في السياق الروائي، حتى لا يكون الربط مربكاً بما يفهم منه خلط ثنائي في توصيف مكون واحد. فإذا ما طبق السرد، أو أحد تراكبيه المكملة لبنيته اللغوي قبل توظيفه « إبداعياً» على المكون الروائي يكون التعامل الزاما مع مكونين و نصين بحسب أن كل منها له أدواته في التعريف و الاستخدام دون أن يتناقض ذلك مع وحدة النص التي يجهد الروائي – عادة- في الحفاظ على تماسكها و التحكم بحركتها السردية.
يبرز النص السردي في بداية النص الروائي في « أشباح فرنساوي» متداعياً عن تجريب قصد منه الروائي الانفتاح على تدفق سردي هائل يحكمه الراوي مستنداً الى قوة اللغة السردية و رمزيتها الدلالية « ما وراء اللغة و ليس النص Metalanguage استنباط المعنى الكامن في دلالة الالفاظ » في سرد متتابع يتوغل في بطء الى ما تقود إليه التفاصيل التي تشكل بنية النص الروائي كما في استهلال الرواية بصوت الراوي:
لم يكن فرنساوي حاضراً في الحكاية، لم يكن جزءاً من نسيج الأحداث، تشابكاتها وتداخلاتها، انبهاماتها وانفصالاتها. فرنساوي حينها، حين تمفصلت الوقائع واستبانت المآلات والمصائر، بجناحيْ غمام، كان يحلِّق في برازخ انعتاقه الأبدي، ومن هناك، من عمق الروح يشير، ويقول: «نعم، هكذا يا ولد، تناسجت الأشياء.. هكذا، بدأت رحلة البرازخ.. رحلة الأرضي، السماوي، رحلة اللا انفكاك، اللا عودة، اللا صلح، اللا سلام، اللا نوم، اللا راحة، اللا شيء.. هكذا يا ولد انسج الحكاية، وتذكَّر أنَّ لا حكاية، لا فرنساوي كان، لا دَفَاق وجنائن خضراء، لا أرز خلا، لا إوزات رمادية سابحة في مياه الرهود*، ولا حبارات شائخة تطير لتحط وتحط لتطير، لا واديَ كَسَّار بمياهه الكاسرة وهديره الهادر
في هذا المقطع يبدأ النصُّ كما لو أن الراوي هنا يستأنف البداية نفسها عبر ضمير المتكلم، ولكنه لم يدع النصَّ منبثقاً عن لغة محضة تتكامل معانيها في مفردات وصفيِّة، فكان أن كوَّن هذا المدخل بإشاراته الواضحة عالم «أشباح فرنساوي» من حيث بداية الحدث، و تفاصيل العناصر التي تكونت منها الرواية. حاول الروائي عملياً اقتراح بناء لغوي كوسيلة توصل الى ايجاد حيز سردي مبرراً لظهور شخصية عوض فرنساوي في ربط محكم يقترن بالفضاء المحتشد بصور تبدو مفزعة كامنة في دلالة الأشباح المقترنة بشعور مشفق بواقع المأساة التي أحاطت بحياته ليرتد الى أن يطغى على البداية المستعادة من قاع تجاويف ذاكرة شخصية محمد لطيف لتطبق على مسار الحدث الروائي في كامل العمل. و تنفصل بالتالي المحاولة الروائية هنا عن سائد البدايات للعمل الروائي، وتفضي المحاولة الروائية الى تجريب في النص دون أن تغادر التصور السائد للبداية نفسها. ولكن باستخدام تقنية الاسترجاع الزمني، و استعادة تفاصيل تطور حياة عوض فرنساوي يتصاعد السرد بزمن يتصاعد خطياً نحو التعقيد المرهق للأحداث الروائية. فتكاد تكوِّن كل شخصية روائية بموقعها السردي و أبعادها المرتسمة على خارطة الرواية، بنية سردية مستقلة عن كامل النصّ و بنيته السردية المتراكبة التي تشكل النص الروائي موظفاً بأدواته التي لا تتقوم إلا بالطاقة التي يمنحها الروائي للشخصية. وعلى الرغم من الوجود المادي « الظهور الحقيقي» لشخصية عوض فرنساوي بما هو شخصية محورية بؤرة السارد في الرواية و أحداثها Focalization ? بالترجمة النقدية العربية- يكاد يتحدد في موضعين في بداية النص حين يفارق الحياة في المستشفى و من ثمَّ بالاسترجاع المتكرر كما يدونه محمد لطيف .
فالرواية صاغت شخصية عوض فرنساوي ليتحدَّد زمنيا بين الاستباق و الاسترجاع مهيمناً على تفاصيل الاحداث، و دائماً ما يُفعل من وجوده في مسارات متعددة حيث تتواجد بقية الشخوص، و الأماكن وبالتالي تتعدد تجليات السرد وفق الضرورة التي – احيانا- ينساق إليها الروائي استجابة الى التجربة التي تسند التصور الروائي و عالمها، المتخيل منه و الموضوعي.
تداعى السرد الروائي بالقدر الذي تطورت معه الشخصيات الروائية عبر وسائط بيئية « المكان» و الرصد النفسي لصور الشخصيات و ما تعنيه دلالاتها الوظيفية « الوصف الروائي» في واقعها المتناقض
تواجهنا المصائر المتحولة للشخوص في منحى متكامل اذا ما اطبقنا عليه المستويات البنيوية للسرد من حيث رؤيا الراوي و علاقته بالأحداث. خاصة أن رؤيا الراوي تعني المنظور الذي حاولت الرواية النظر من خلاله الى العالم عبر تكوين الشخوص الروائية سردياً في تناص وجودي بين الشخصيات و السرد لتفسير العالم كما أرتأه الروائي.
أيضا ثمة مصادر متعددة انبثقت عنها و تفاعلت الشخوص الروائية، فأولى هذه المصادر المكان و ما تفاعل فيه من الفعل الإنساني مجرداً في كالعلاقة بين الرقيب بشير و قهر السلطة الغاشمة في شخصية الضابط مدثر الجاك، و ما تحدثه هذه التفاعلات الإنسانية و ينتج واقعاً يكون له اثره على تصرفات الشخصية. فجاء العنف كأقوى ما تكون عليه السلطة الممنوحة و شرعيتها النافذة غير المسائلة في تصرفاتها غير العقلانية في واقع أحداث الرواية ومكانها. فتكاد العلاقات بين شخصيات الرواية التي يتقوم بها السرد الروائي، تحوِّل منظومة السرد دون أن تتناص « على مستوى الخطاب البنائي للرواية» و لكنها تشكل نصاً أولياً بالغ التأثير Hypotext كمصدر يُوِّحد بين المقاطع السردية و منظومة الرواية السردية المتشكلة في نصوص محمد لطيف عن مأساة عوض فرنساوي مستمدة من قصة صديقه بشير بحسب ما يقوده إليه السرد المتتابع في سياق زمني مشترك يستوعبه مكانان يختلفان بطبيعتهما الفيزيقية و ينجذبان بأبعاد الرواية السردية و مركزية أحداثها، مما أتاح للرواية تبني تركيبتها «بنيتها» السردية وفق الطرح المتتابع لسرد التفاصيل الحاكم للسرد الروائي.
فقد تمحورت الرواية في زمنيها الاسترجاعي و الاستتباعي على شخصية المدقق اللغوي، محمد لطيف، و هو يعيد صياغة، و كتابة قصة فرنساوي في فضائها المكاني الجغرافي في دارفور حيث بدأت و انتهت حياتها هناك،و من ثَّم انتقلت دلالاتها الرمزية متقاسمة المكان و الأحداث في سياق روائي مغاير. إن المكان لا يتحرك أو ينزاح بين محيط عوض فرنساوي، ومحمد لطيف حيث يعمل الأخير مدققاً لغويا بصحيفة بالخرطوم، فلكل من المكانين رمزيته ودلالته بما يتطابق مع أبعاد المكان الثقافية و الاجتماعية ذلك التطابق بما يتعدى فرضية المكان القصصي الى مكان و فضاء جغرافي متفاعلاً مع الشخوص الروائية حيث تدور الأحداث الروائية. استطاعت الرواية التعبير و التعريف بالمكان، أي أشكال التعبير الثقافي المنتجة بالتفاعل البشري وخاصة الفلكلوري منه ما يرد في أغنيات شعبية و صورة ثقافية أخرى ذات خصوصية أنثروبولوجيا وصفية إذا جاز التعبير لتحليل الظاهرة الثقافية بما عبرت عنه الرواية عن المكان و متناقضاته. فتكاد الرواية تستجيب في بنائها الفني الى المحددات و المتغيرات المكانية و ما اشتمل عليه من أوصاف جعلت حضورا و مصدرا لبنية الحدث الروائي و مسرحا للشخصية الروائية.فما من شيء أطلقت عليه الصفات الدلالية و الرمزية كالمكان و موقعه و دوره في إعادة صياغة النص السردي، فهو في ضوء الاتجاهات النقدية الحديثة و السيمولوجيا المعرفية : الفضاء، و البعد الاستراتيجي، و الجمالي و الشعري، و النص الطبوغرافي …الخ فتعددت صفات المكان بالقدر الذي يمنح المصطلح النقدي طاقته في مقاربة حدث أيا يكن وقعه الزمني داخل الاطار المكاني. فظهر المكان مستوفياً شروطه الجغرافية في الواقع متخذا من الأودية و الغابات و المستنقعات حيث جرى سحل عوض فرنساوي، ، و مدناً قرى متحولة إحيلت في تجميع سردي Narratization الى إجزاء مركبة لمسرح أحداث الرواية.
تقاطعات الذَّات:
تقاطعت شخصية محمد لطيف مع الروائي، و المحيط الذي ينتمي إليه « الصحافة »، و هذا التقاطعات هي ما عبَّر عنه الروائي عن رؤياه الشمولية للعالمWeltanschauung من خلال عمل المدقق و حالات الاشمئزاز التي يبديها وهو يدقق ويحرر المقالات الصحفية. فقد أحال الروائي تجربته في ميدان من ميادين الحياة و العمل الى تشابك تخييلي يعبر عنه خطاب روائي مفتوح الأفق و قابلاً لاحتواء كافة العناصر التقنية لخلق مساحة سردية يمكن تفهمها وفق منطقها السردي. فإذا كان انتماء الروائي الى شخصية ما في العمل أو تخفى وراء شخصياته من أجل توصيل الخطاب الروائي، فلا يمكن ان يعزل المحيط المحايث للتجربة الشخصية عن الكاتب. ولابد من الإشارة الى التداخل بين شخصية الكاتب و الراوي و ما بين السيرة و التخييل، و هو الفصل الذي أولته الدراسات النقدية اهتماما خاصاً لفصل التداخل بين التشابه و التطابق بين أحداث مصاغة سردياً وفقاً لبنية نصية و بين احداث واقعية و مسافة الروائي منها.
وتكمن المفارقة استناداً الى حركة الشخصية في النص الروائي دون أن تستبطن شخصية الروائي، فيظل انعكاس الأنا في محور الخطاب الروائي، في تفاصيل و موقع شخصية محمد لطيف في بؤرة الأحداث و شروطها السردية و ما تنقله من إشارات استدلالية مدركة بوعيها الذاتي معبرة عن شخصية الروائي في انفصال يبعد عن التطابق و الاحتواء عن الشخصية الروائية، على غير ما تعبر عنه الذَات «الأنا» عادة عن هويتها في الرواية المعاصرة محكومة بأطر معرفية و ايدولوجية بواسطة ضمير المتكلم لتضيف بعداً جماعياً أو مجالاً اجتماعياً يتحول الى شخصية راوية داخل الخطاب الروائي. و عليه تكون الشخصية الروائية مخولة بقوة السرد للنفاذ الى لاوعي شخصية الروائي و تمثل تصوراته الوجودية ووجهة نظره، و هي المسافة التي يبقيها الروائي بينه و الوجود الفعلي للشخصية الروائية دون أن يتمكن من السيطرة على مغاليق الطبقات النفسية للشخصية منعاً للتسريب الذي يكشف في السياق الروائي عن ذاتيته فحسب، بل اشكالاته النفسية و الوجودية.
لا تقتصر رؤيا الروائي الشخصية على الشخصية الروائية كذات ناطقة و مكونة بطبيعتها الإنسانية و ذاكرتها المستعادة في الزمن السردي، فالمحيط الإنساني تتفاعل فيه عوامل مكونة من عناصر هي من طبيعية المحيط ذات تأثير قوي على الشخصية الطبيعة. فإذا كان المكان يشكِّل عنصراً لا تتقوم بدونه النصوص الروائية، فإن أثره و ما ينتجه من احداث و أنماط ثقافية تطبعه و تميزه عن غيره من الاماكن من حيث الوجود الجغرافي أو الثقافي. ونجد أن موضوعات المكان في رواية « أشباح فرنساوي» لم تكن بعيدة عن تقاطعات الأنا منعكسة عن تجربة الروائي حول ما دار من أحداث في المكان، حيث تعدد المكان في السرد الروائي، و عليه استمر هذا التعدد في الصور المنقولة عن بيئة المكان وفق منظور انثروبولوجي أحال العلامات اللغوية و المادية كما تعتقدها ثقافة كل مكان الى وقائع سردية بالغة التشويق بالحالة الثقافية التي تكون عليها التصورات الثقافية السائدة Ideologeme . فالاتصال بالمكان يبقى جزءا من محاولة الذات لاسترداد المكان سرديا الى زمن الخطاب الروائي بحيزه الطبيعي و ما يجري فيه من تفاعلات إنسانية مستعادة ومستردة في الخطاب الروائي بآلية الزمن في بعده التاريخي و متغيرات الحاضر.
تعدد الزمن السردي:
إنَّ الزمن الوجودي « الفيزيائي» بأبعاده وقياساته تتطابق كما في النصَّ الروائي حيث لا يتدخل في تفاصيل الاحداث الروائية أو يحددَّ حركتها الزمنية، و لكنه يلقي بأثره المحسوس ضمن الزمن الواقعي أو الموضوعي الذي تقع ضمنه حركة الشخوص الروائية في تتابع سردي بالرؤيا التي يتصورها الروائي. ولكن يظلَّ التحكم بالزمن في المتن السردي مرتبطا بواقع حركته في الماضي و الحاضر و المستقبل. وبما أن الرواية تنقلت بتمدد زمني و مكاني بين احتوى على أحداث منفصلة و متداخلة فقد شكلت كل منهما زمنه في سياق الايقاع السردي فكان الزمن بمثابة تجسير بين الشخصيات الروائية و الأحداث السردية. فقد أشرنا الى زمن استرجاعي زمن الحكي، رواية عوض فرنساوي في زمن يستقطعه محمد لطيف من زمنه. ومثلما حاول الرواي موازاة الزمن السردي متوحداً مع الحدث الروائي و تفاصيله التي تقع ضمن الزمن الايقاعي للسرد، فقد واجهتنا المتقابلات، أو المقارنات بين زمني الأحداث و المكان. ثمة ثنائية تتوازى حتى تكاد أن تفصل الرواية الى جزئيين، فالمكان و الزمان و الشخوص متحركة في فضائي السرد، و حتى العلاقات الإنسانية المتبادلة بين عفاف و بشير و محمد لطيف و ساندرا، فكأنما أرادت الرواية أن تفصح عن زمن وتعبير إنساني واحد ربما تباعد بالمكان و توازن بالمشترك الزمني. لقد ركزت الاتجاهات النقدية في البحث عن التعدد الصوتي Polyphonic كأحد تشكيلات النص السردي وتَّم قياس الزمن الروائي كوحدة متصلة لا تختلف أو تتعدد إلا من خلاله تسلسل الاحداث أو الاشارات الزمنية المباشرة كتفاصيل الوقت و الايام و السنوات.
اللغة في الرواية:
إذا كان النص الروائي، متن لغوي بمركباته اللغوية و صوره الدلالية يخضع الى تجربة الروائي و رؤيته المعرفية و ما يحتمله من تفسير، فإن اللغة بمنطوقها اللفظي و البياني تُصب في سياق النص الروائي بغية تكوين صورة لغوية متكاملة الأبعاد البيانية و اللفظية و التركيبة. رواية الأشباح في مقاربتها اللغوية و ارتباطها بالنص السردي داخل المستوى اللغوي الذي استخدمه الروائي مقابل كل شخصية ابرازا للبعد اللغوي و النفسي لها برهنت على قدرة الراوي على تحويل الأشياء و الاحداث و العواطف الى صورة مرئية مستخدما أداة التحويل، أي اللغة المختارة و تعابيرها الدلالية ما مكنه من تحويل الواقع الموضوعي الى بنية سردية جمالية.
تعدُّ اللغة من بين الأدوات التي يجيد الصويم بها رسم شخصياته الروائية بما يتجاوز قدرتها في التعبير عن رؤاها. فمن لغة مشعبة الدلالات تتجلى فيها القدرة السردية المفتوحة حين تفعل الألفاظ و تُمنح درجة أعلى مما هو مألوف من واقع الكيان اللغوي المسبق في اقترابه من الشعر، الى لغة ذات مستوى تعبيري تنطق به الشخصيات داخل النسق المعرفي للشخصيات. ففي جانب يجرد الراوي النص الروائي من ارتباطاته الموضوعية، و يجعل من التداعي اللغوي المحض مقاربة شعرية بوحي الكلمات و هذا ما نعثر عليه في نصوص شعرية و مقاطع سردية عبرت عنها شخصيات الرواية كأشعار الشاعرين البرثنين و نصوص خطب ثلة المثقفين. ووفقاً لتنصيف باختين للكلمة داخل السرد وحدود درجة ترميزها سرديا مع مرجعتيها الموضوعية في المتن اللغوي، فإن الروائي وظف اللغة في تعدد مستوياتها التطبيقية و الوظيفية. و أفاد بالتالي الشخصيات الروائية بالتعبير السردي و اللغوي المتزامن مع موضوعية بنية الخطاب الروائي.
* كاتب و مترجم.