غير مشجعة وغير جاذبة: سياسات بنك السودان تجاه تحويلات المغتربين

An official leaves after a news conference presenting Sudan's new currency at the Central Bank headquarters in Khartoum

تعتبر تحويلات المغتربين حول العالم من الموارد الحيوية لعدد من الدول، ليس الامر وقفا علي دول العالم الثالث وحسب وانما تشمل قائمة اهم الدول المتلقية لتحويلات منسوبيها بالخارج عديد من دول اوربا وامريكا اللاتينية مثل اسبانيا والبرتقال و البرازيل ، ووفقا لتقرير اعدته دائرة الهجرة والتحويلات بالبنك الدولي فقد بلغ عدد المغتربين أو من يعرفون بالاقتصاد المهاجر حول العالم 250 مليون شخص، يضخون تحويلات مالية تناهز 436 مليار دولار.

الخرطوم : بله علي عمر

الخرطوم : بله علي عمر

وللتعرف على المعايير الدولية للاقتصاد المهاجر، قال مدير دائرة الهجرة والتحويلات في البنك الدولي ديليب راثا: إن أثر التحويلات المالية للمهاجرين على بلدانهم يبدو جليا في تعزيز قدرات أهاليهم الاقتصادية ، ورأى راثا أن أهم ما يميز هذه التحويلات أنها تحدث على مستوى الأفراد، ولا يجوز للحكومات التدخل فيها أو تحديد بنود صرفها، واعتبر قيام بعض الدول بفرض ضرائب عليها أمرا غير صحيح لأنها تعتبر أمرا شخصيا.
الصورة في السودان تبدو مفارقة ليس على نطاق العالم وانما على مستوى الاقليم، فبينما تبلغ جملة تحويلات المغتربين في دولة مثل مصر «20» مليار دولار في العام نجد دولة اخرى مثل الاردن تعتمد على المغتربين بصورة كبيرة اذ تشكل تحويلاتهم نسبة 20% من الناتج الاجمالي، واذا كان كان عدد المصريين بالخارج قد بلغ في العام 2015م ، «10» ملايين فان عدد المغتربين السودانيين لا يقل عن «5» ملايين نسمة مع ملاحظة ان حملة الشهادات العليا والتخصصات ، وفقا لمنظمة الهجرة العالمية التي لم تشر الى اي ارقام عن تحويلات المغتربين السودانيين اذ يعتمد غالبيتهم علي التحويل عبر الوكالات بعيدا عن القنوات الرسمية ؟ لماذا يضطر ملايين السودانيين للتحويل بعيدا عن القنوات الرسمية ؟

الاسبوع الماضي ساقتني الاقدار الى صرافة معتمدة وذلك لصرف مبلغ ارسل لاحدى الأسر الكريمة عن طريقي كان المبلغ محولا من كندا بالدولار الكندي الذي هو دون الدولار الامريكي بقليل .. كان على الأسرة استلام المبلغ بالعملة السودانية ولكني فجعت عندما حول المبلغ باربعة جنيهات ونصف مقابل الدولار الامريكي، قلت للصرافة ان هذا لا يجوز وهو اخذ لحقوق الناس بالباطل ، رمقتني بنظرة حادة وقالت لي هذه تسعيرة بنك السودان سألتها عن السعر مقابل الدولار الامريكي، فقالت «6,5» ستة جنيهات ونصف، ألجمتني الدهشة ، فسعر الدولار بالسوق الموازي اكثر من «14» جنيها خرجت وفي ذهنى ألف سؤال واستفسار؟
وضعت الامر امام الخبير الاقتصادي والاستاذ المشارك بجامعة المغتربين الدكتور محمد الناير الذي تحدث قائلا : ما يحدث الآن نحو النقد الاجنبي وفي التحويلات من الخارج ومن سياسات ينتهجها بنك السودان تعتبر غير مشجعة لاستقطاب وتحويلات المغتربين ، اذ لا يعقل ان يكون سعر الدولار بالسوق الموازي أكثر من ضعف سعره في السوق الرسمي ، لن يتم التحويل عبر القنوات الرسمية في ظل السياسات التي ينتهجها بنك السودان لان المغترب في هذه الحالة سيخسر وهذه السياسات دفعت المغتربين السودانيين في معظم الدول العربية لان يلجأون للتحويل عبر مكاتب خاصة تتم فيها محاسبتهم بسعر السوق الموازي، وبالتالي فقدت البلاد اموالا طائلة من النقد كان يمكن ان تكون داعمة لاستقرار سعر الصرف.
أما المغتربون السودانيون بالدول الاوربية وامريكا لا يتاح لديهم مثل هذه المكاتب بالتالي تتم تحويلاتهم – وهي محدودة – عبر الصرافات المعتمدة ليستلم المحول له بالداخل بالسعر الرسمي وهو بذلك يكون قد فقد 60 % من قيمة المبلغ قياسا بالسعر في السوق الموازي .
اذا نظرنا الي المغتربين المصريين يحولون سنويا 20 مليار دولار وتحتل مصر المرتبة السادسة عالميا من حيث تحويلات المغتربين، نجد ان الاغتراب السوداني نوعي وان كان العدد دون المغتربين المصريين، الا ان دخول نوع المغتربين السودانيين تجعل التحويلات مرتفعة وقد لا تقل عن « 6» مليارات دولار سنويا .
كيف يتم استقطاب هذه التحويلات عبر القنوات الرسمية هذه يتطلب تفصيل قرار بنك السودان والذي صدر قبل اكثر من عامين بان يتم تسليم التحويل بالنقد الاجنبي او العملة التي تم التحويل بها وهو قرار ساري المفعول، ولكنه غير مفعل لذلك لا بد من تفعيله مع تسهيل حركة التحويلات المصرفية والتغلب على مشكلات الحصار الاقتصادي الامريكي فيما يلي تعاملات القطاع المصرفي السوداني مع القطاع المصرفي الاقليمي والعالمي اضافة الى منح المغتربين حوافز تشجيعية .
اثناء جولتي في مباني جهاز السودانيين العاملين بالخارج سألت عددا من المغتربين كانوا يقومون باكمال بعض المعاملات بالجهاز واشترط المتحدثون عدم ايراد اسمائهم وبوعدهم اكدوا انهم وغالبية رصفائهم يتعاملون عند التحويل مع جهات لا علاقة لها بالدولة، قلت لاحدهم ان ذلك التوجه يفتقر للوطنية، فرد علي بحدة انه هنا لدفع ما يليه من ضريبة ويرى ان ذلك كافيا ، وكما ان سعر بنك السودان والصرافات يقل عن السوق الموازي بنسبة لا تقل عن 60% واكدت المجموعة التي استنطقتها استحالة التحويل عبر القنوات الرسمية في ظل السياسات المالية لبنك السودان.
ولا يختلف بروفيسور عبد الوهاب بوب عن سابقه دكتور الناير اذ يرى ان الاصلاح الاقتصادي يتم بوضع سياسات نقدية واضحة من المسئولين بالبنك المركزي و الأمر يعتمد على الارقام فاذا وعدنا المغتربين بانه يمكنهم تحويل اموالهم الى السودان واستلامها عملة حرة فلا بد ان يكون هذا الامر قيد التطبيق الفوري، واذا وعدناهم بان يستلموا بالسعر المجزي مقابل تحويلات العملة الحرة فلا بد ان يستلموا بأعلى سعر في السودان، وهو ذات السعر في المحطة الوسطى والسوق العربي، والا فانهم يلجأون الي شركات تحويل العملة التي تعطيهم السعر المجزي وهو سعر السوق وتسلمه لهم في منازلهم .
من جانبه ذهب المصرفي ياسر حمد حسن الى ان السياسات المالية التي ينتهجها بنك السودان بانها ليست على مستوى تحويلات المغتربين وحسب فذات السياسات يفرضها على عائد الصادر مما يضطر المصدرين الي تهريب السلع الرئيسة مثل الصمغ العربي، لان العائد وفق سياسات بنك السودان غير مجزي ، ويمضي ياسر الي القول بان البنك المركزي يتعامل بعكس هذه السياسات في عمليات شراء الذهب ، اذ يشتري الذهب بسعر السوق الموازي ليصدره للخارج بالعملات الصعبة ، علما بان جذب مدخرات المغترب تكون ذات جدوى اكبر للاقتصاد الوطني، وبذلك يخلص المراقب الي ان السياسات التي ينتهجها البنك المركزي يجب ان تستند الى الاولويات الضرورية للمجتمع والمواطن، وطالب ياسر بتشجيع المغتربين بزيادة سعر الصرف ومنحهم الحوافز الاستثمارية كالاراضي.
ونصح الخبير الاقتصادي العربي قاسم أحمد قاسم في حديث لقناة الجزيرة الدول المتلقية بأن تساعد المهاجرين في استثمار تحويلاتهم في المشاريع التي تؤثر في التنمية، ويجب أن تكون هناك تدخلات سليمة من الدول حتى توظف هذه الأموال في مشاريع البنى التحتية التي تساعد في توظيف آخرين لتصب في ميزان النهضة الاقتصادية وتمويل التنمية.
خلاصة ما خرجت به ان السياسات التي ينتهجها بنك السودان تجاه المغتربين تتطلب التزاما بالاتجاهات الاساسية للدول والتى تشجع المغترب على تحويل امواله بالقنوات الرسمية والمساهمة فى مجالات الاستثمار ودعم الاقتصاد الوطني ، وضرورة الالتزام الجدي بالمنشورات التي اعلنها البنك سابقا والحرص عليها وتجديدها كل حين واخر ومراجعة مستوى التنفيذ ومشاركة المغتربين انفسهم في بناء تلك السياسات .
ان تدفق النقد نفسه الى قنوات الاقتصاد السوداني يعتبر دليل عافية ، فالوفرة قيمة اقتصادية هامة وضرورية ومطلوبة .