روايات خاصة: منواشي

420(1)
٭ أسمع في تلك اللحظة نبضات قلب زملائي، وأشعر بحرارة أجسادهم، وأستاذ توفيق يسير بخطى وئيدة نحوي في آخر الفصل، ومسطرة صغيرة يضرب بها على كفه، ويركز نظره علي، والصف الخامس الابتدائي بلا حراك وكأن أنفاسهم صعدت، فقبل قليل تجرأت ولأول مرة على اجتياز خط المغامرة والتحدي، وان كان جاء صدفة ودون سابق تفكير، ولكنني أواجه مصيري.
٭ في الصف قبل الأخير، كنت أتوسط أطول تلميذين في الفصل، يشكلان عنصر حماية من ملاحظات الأساتذة وأدعمها في حل اشكالات الحساب، ولكن هذا العام قلب أستاذ توفيق كل شيء، فقد بدل أماكن الطلاب وطريقة التدريس، والقدرة على اثارة الانتباه، والتركيز، وفوق ذلك ولأول مرة التحفيز.
(2)
٭ نهضنا دون تثاقل، فقد بدا واضحاً من دخوله ان ثمة ما بعده، كنا العام الماضي أكثر من 40 طالباً وجئنا هذا العام 23 فقط وغابت كل زميلاتنا عدا أربع، ومع أن جدران الفصل لامعة ومصقولة، إلا أن منهج التدريس الجديد يتطلب منا تكاليف ومذاكرة ومراجعة وامعان نظر.
٭ لم يكتب شيئاً على السبورة، استعرضنا بنظرة فاحصة وبلهجة واضحة: من يجيب على السؤال التالي، لديه جائزة، وإذا رفعت يدك وأجبت خطأ لك عقاب»، وبدا واضحاً أنه يود تقليل احتمالات الاجابات، وعقب السؤال مباشرة ودون تفكير متعمق رفعت يدي، ويا للعجب: لا أحد غيري، وسحبتها!
٭ بصوت جهوري: أنت أقيف، حتى هذه اللحظة كان اسمي (نكرة) عنده، وقفت في فزع وأعين زملائي تأكلني، وهذا الانتظار القاتل، ما قبل (الاجابة).. ولكنني تماسكت..
٭ لم أكن طالباً لامعاً، يبادر بالاجابة، ويقف يمد يده، فقد جئت المدرسة ضمن أكثر من 60 طالباً أغلبهم أكبر مني سناً وبنية جسدية، فاخترت الانزواء هناك في الصف قبل الأخير..
(3)
٭ (منواشي)، كنت على يقين بالاجابة، ومع ذلك أرتج صوتي وأنفاسي تتقطع والنظرات البائسة تحيطني.. وصمت قاتل.. حتى بقية الفصول كأنها تتضامن معنا، ومع نهارات ذلك الصيف وحرارة الجو، فإن الحياة تبدو وكأنها في لحظة فاصلة وانتظار.. وباشارة منه، تحول المشهد إلى تصفيق عريض وداوٍ في الفصل وكأنهم ينتقمون من لحظات الخوف، وربما الانتصار على حالة الخوف، كأنهم يبددون قتامة المشهد بحيوية جديدة، وجلست أكثر ارتباكاً، لقد خرج المشهد عن تصوري وقدرتي على المعايشة والادراك..
٭ وفي خاتمة اليوم كنت قد مررت على كل الفصول، أنال تصفيقاً، وهدايا، وانتقلت إلى الصف الأول مع قصار القامة والأكثر حضوراً في مشهد الحصص..
٭ كم ان اشارات بسيطة واهتمامات صغيرة، يمكن أن تحدث فرقاً في حياة الناس وأيامهم وأحلامهم، وما أجمل القدرة على المغامرة واجتياز حاجز الاعتياد، إنها خطوة تكتسب منها خبرة تراكمية أو تحقق نقلة في حياتك.. لتبدأ بخطوة..
شكراً لكل معلم ومعلمة..
شكراً للمدير الصديق (بعاج)
وشكراً للأستاذ توفيق محجوب
وتحية إلى (منواشي)، مدينة تحمل عبق التاريخ وحلاوة المشهد وروعة الطبيعة.. ومذاقات الشواء المخصوص..