الكتيبة والرصافي وعلي داوود

485لم يعرف السودان في قديم أو حديث تاريخه، رابطة شعرية ك»الكتيبة»، التي كانت تتألف من أكثر من 15 شاعرا، زعيمهم النور إبراهيم الذي كان معلما وإداريا تربويا مهابا ومقتدرا، وضمت في صفوفها ابن عمر وكرف وأبو القاسم عثمان والجعيلي وعبد الحليم علي طه وطيب الأسماء ومصطفى أبو شرف، ولم تكن لديهم دار ولا «لائحة»، بل لم يكونوا يلتقون إلا مصادفة في مناسبات اجتماعية، ولكنهم أطربوا أهل السودان بجميل الشعر ذي المعاني العميقة، وكان القاسم المشترك بينها الطرافة والمداعبة الراقية «لعل الناقد الوحيد الذي اهتم بشعرهم هو د. احمد عكاشة احمد فضل»
للشاعر العراقي الجهبذ معروف الرصافي، قصيدة كتبها في ثلاثينات القرن الماضي حورها أحد فرسان الكتيبة «ابن عمر» وصارت على كل لسان:من أين يرجى للبلاد تقدم / وسبيل ممتلكيه غير سبيله / لا خير في وطن، يكون السيف / عند جبانه، والمال عند بخيله / والرأي عند طريده، والعلم عند غريبه، والحكم عند دخيله
ويواصل الرصافي: هكذا تبقى الحكومة عندنا / كَلِماً تموه للورى وتُزخرف / كثرت دوائرها وقل فعالها / كالطبل يكبر وهو خال أجوف / كم ساءنا منها ومن وزرائها / عمل بمنفعة المواطن مجحف / تشكو البلاد سياسة مالية / تجتاح أموال البلاد وتتلف / تجبي ضرائبها الثقال وإنما / في غير منفعة الرعية تصرف /حكمت مشددة علينا حكمها / أما على الدخلاء فهي تخفف .. علم ودستور ومجلس أمة / كل عن المعنى الصحيح محرف/ أسماء ليس لنا سوى ألفاظها/ أما معانيها فليست تعرف/ من ينظر العلم المرفرف يلفَهُ/ في عز غير بني البلاد يرفرف/ من يأتِ مجلسنا يصدق أنه/ لمراد غير الناخبين مؤلف.
قد تقرأ أبيات الشعر أعلاه وتقول إن جعفر عباس مستهبل، ونزل عليه إبليس الشعر وأنه يقصد حكومة السودان الحالية، ولكن ولأنه جبان فقد نسب القصيدة لمعروف الرصافي، خاصة وأن هناك بيتا يقول فيه: تجبي ضرائبها الثقال وإنما / في غير منفعة الرعية تُصرف!! وتذكر قطاع الطرق الذين ينصبون الكمائن لكل من ينتقل من منطقة إلى أخرى لينشفوا ريقه وجيوبه، ولك أن تتساءل: هل ندفع ضريبة النفايات كي تتولى جهة ما توزيعها في الشوارع.
وتدفق النفط العراقي «أو السوداني إذا جعلت مني شاعرا جهبذاً» وامتلأت الخزينة العامة بالدولارات، ولكن الحال ظل مائلا: أيكفينا من الدولات إنا / تعلق في الديار لنا البنود / وإنا بعد ذلك في افتقار / إلى ما الأجنبي به يجود / وكم عند الحكومة من رجال / تراهم سادة وهم العبيد / كلاب للأجانب هم ولكن / على أبناء جلدتهم أسود
تقرأ شعر الرصافي وتدرك معنى ان يكون العرب قد اخترعوا الصفر وما زالوا مفرملين عنده .وانظر ماذا قال قبل 60 سنة: فهو حكم مشرقي / الضرع غربي الملابن / عربي أعجمي / معرب اللهجة راطن «يعني أن الحكم في العراق يسير بإملاءات أجنبية «ضع في حال بلدنا الراهن صندوق النقد والبنك الدوليين ورضا أمريكا عنا»
للمربي والأديب السوداني الراحل علي صالح داوود، الكثير من الشعر اللطيف والخفيف وهاك منه خاطرة عن الديمقراطية: يهواك «الصادق» يا غادة / والكاذب يهديك وداده / وجميع الأنفس قاطبة / بسلاسل حبك منقاده / إن غنى الزامر في بلد / فالكل يردد إنشاده / هل حقا أنتِ حبيبتهم / أم حبك تمليه العادة؟ / هل أنت الغاية والمرسى / أم سُلَّم حكم وقيادة؟