قراءة في تقرير أولبرايت – هادلي

بهاءالدين-مكاويبمبادرة من مركز رفيق الحريري للشرق الاوسط التابع للمجلس الاطلنطي تأسست في فبراير 2015م «مجموعة عمل الشرق الاوسط» تحت القيادة المشتركة لكل من مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية الاسبق وستيفن هادلي مستشار الامن القومي الامريكي السابق. كلفت المجموعة والتي ضمت طيفاً واسعاً من الخبراء الدوليين واصحاب المصالح الاقليميين بدراسة الاسباب الكامنة خلف فشل الدولة في منطقة الشرق الاوسط في اكتساب الشرعية في نظر مواطنيها ، بالاضافة الى اسباب التطرف العنيف في المنطقة . فرغت المجموعة من عملها واصدرت تقريرها في ديسمبر 2016م اي قبل حوالي شهر من الان .
يقول التقرير إن الواقع الحالي يشير الى أزمة عالمية تنطلق من الشرق الأوسط، وتهز معظم أنحاء العالم بسبب العنف وعدم الاستقرار، إلا أن هناك أملا في مستقبل أفضل، ولا تزال هناك فرصٌ في الشرق الأوسط، وليس تحديات فقط.
لكن التقرير يقول بوضوح انه من الضروري « تغيير المسار السياسي للمنطقة من فشل الدولة والحرب الأهلية، نحو نظام مستقر وسلمي لدول ذات سيادة» ؛ ومع أن دول وشعوب منطقة الشرق الأوسط لديها المصلحة الأكبر في ذلك، إلا أن الولايات المتحدة أيضاً لديها مصالح حيوية تؤثر على كل من حياة ومعيشة الأمريكيين وأسرهم، مثل حماية المواطنين من الإرهاب وحماية الاقتصاد الأمريكي وتمكين الأصدقاء والحلفاء، وتمكين العمليات العسكرية الأمريكية العالمية، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتجنب الكوارث الإنسانية المزعزعة للاستقرار.
ووفقاً للتقرير يتطلب تقدم المصالح الأمريكية أكثر بكثير من مجرد استراتيجية أميركية أحادية الجانب بل لا بد من نهج جديد يقوم على الشراكة، وبموجب هذا النهج الجديد، يجب على قادة وشعوب المنطقة أن يتحملوا المسؤولية الكاملة عن رسم رؤية إيجابية جديدة لمجتمعاتهم، وفي الوقت نفسه، تعمل الأطراف الخارجية، مثل الولايات المتحدة، على المساعدة في حل الصراعات العنيفة، التي تقف حالياً في طريق تحقيق أي رؤية للمنطقة.
ولا يمكن الاعتماد في هذه الاستراتيجية على الحكومات فقط، بل لا بد من اشراك : الشباب والنساء والقطاع الخاص والجماعات المدنية المحلية ورجال الأعمال وفاعلي الخير والمربين والمواطنين .
وينص النهج الاستراتيجي الجديد على أجندة عمل من شقين، يتمثل الاول في الحد من الحروب الأهلية والتخفيف من المعاناة الإنسانية، والتخلص من وجود تنظيم الدولة الإسلامية ويتمثل الشق الثاني في العمل على استغلال الثروة البشرية غير المستغلة، وبالأخص المواهب البشرية غير المستغلة من الشباب والنساء.
يتطلب الشق الأول، المتعلق بالامن التعاون الكامل مع الجهات الإقليمية الفاعلة، والراغبة في المشاركة في هذا الميثاق؛ وبالرغم من كون المهام المطلوبة شاقة، إلا أنها قابلة للتنفيذ، وهي تبدأ بدول المنطقة الغارقة في الصراع الأهلي: سوريا ،العراق ، اليمن.
في سوريا، يقول التقرير، توفر الانتهاكات الإنسانية لنظام الأسد بيئة مناسبة للتجنيد في داعش؛ ويجب الحد من هذه الانتهاكات ـ عسكرياً إذا لزم الأمر ـ ومن المحتمل أن يثبت العمل العسكري ضروريته، ويجب تعزيز قوى المعارضة لحماية المدنيين من نظام قاتل وقتال تنظيم داعش والقاعدة، ويجب الإسراع في هزيمة تنظيم داعش في سوريا، والبدء في عملية المصالحة وإعادة إعمار البلد المدمر، ويتوجب على الحكومة السورية المعاد تشكيلها توفير المزيد من الحكم الذاتي والموارد، التي تمكن المحافظات والحكومات المحلية من تحمل مسئولية أكبر تجاه مواطنيها، وإعطائهم حرية أعظم لتقرير مستقبل بلادهم. وهذا هو نموذج جديد للحكم الوطني، والذي يعد ذا أهمية، ليس فقط للدول الخارجة من حرب أهلية، ولكن أيضاً لدول المنطقة التي تسعى لتعزيز شرعيتها، ولمزيد من الدعم لشعوبها.
في العراق، يجب على الجيش الوطني ـ مع الدعم الكامل من الفاعلين الخارجيين ـ أن يتولى زمام المبادرة في هزيمة تنظيم داعش، حيث ربما يؤدي ترك هذه المهمة للميليشيات الشيعية إلى تسريع دوامة السقوط في العراق، فيجب أن تركز الحكومة العراقية مرة أخرى، مع الدعم الخارجي القوي والتشجيع، على المصالحة وتحقيق الاستقرار. وسيستلزم هذا الأمر تلبية الاحتياجات الإنسانية، والتغلب على التوترات الطائفية، واستعادة الحكم المدني الفعال، وتحفيز الانتعاش الاقتصادي في المناطق المحررة. ويعتمد بقاء العراق كدولة واحدة إلى حد كبير على النظر للحكومة باعتبارها ضامناً أكثر مصداقية للمصالح العربية السنية من تنظيم داعش. وسوف يتطلب أيضاً، كما في حالة سوريا، نموذجاً جديداً للحكم، يوفر استقلالاً متزايداً وموارد للمحافظات والحكومات المحلية، والضغط على الحكومة في بغداد وحكومة إقليم كردستان لحل الخلافات بينهما؛ كما يجب أيضا التصدي للفساد المستشري هناك .
في انتظار تطبيق حل دولتين مستقر ومستدام للصراع الإسرائيلي الفلسطيني يجب أن تستمر مهمة بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقبلية، بل ويتم تسريعها، إلى جانب تشجيع إسرائيل على تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع السلطة الفلسطينية.
ولا بد من فتح حوار أكثر قوة بين أنقرة وواشنطن؛ ويعتبر هذا الأمر بالغ الأهمية، ليس فقط لمعالجة المسائل ذات الاهتمام المشترك، مثل تدفقات اللاجئين وتنظيم داعش ونظام الأسد، ولكن أيضاً لحل القضايا الراهنة في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وتركيا، بما في ذلك العلاقات مع الأكراد السوريين.
يدعو التقرير الى ردع التدخل الإيراني في العالم العربي، حتى في الوقت الذي يتم فيه إشراك طهران بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك «مثل الإتفاق النووي عام 2015». ويجب أن يطمئن أصدقاء الولايات المتحدة وشركاؤها إلى أن الولايات المتحدة تعارض الهيمنة الإيرانية، وأنها ستعمل معهم لمنع ذلك.
أما الشق الثاني من المقاربة الاستراتيجية الجديدة فانه يركز على التحول السياسي والاقتصادي، ويتطلب إصلاحات عميقة للدول في المنطقة والخطوة الأكثر أهمية في هذا الصدد هي تطوير رأس المال البشري في المنطقة ـ بما في ذلك الشباب والنساء ـ وذلك لضمان أن يكون التغيير مستداماً؛ والتعليم هو مفتاح للحل، فلابد من القيام باستثمار استراتيجي في تعليم جيد مناسب للقرن الحادي والعشرين؛ وتتطلب المؤسسات التعليمية القائمة، في كثير من الحالات، إصلاحا شاملا، يشمل المعلمين المعدين جيداً، والاستخدام المدروس للتكنولوجيا، وبرامج التبادل، بالاضافة الى تطوير برامج قوية للتدريب المهني، والتعرف على الاحتياجات الواقعية لسوق العمل.
تدعو الاستراتيجية الحكومات الى تمكين وتحفيز مشاركة المواطنين في حل المشكلات المدنية وتشجيع وتمكين الجماعات المدنية المحلية وأصحاب المشاريع الاجتماعية، وخصوصاً النساء والشباب ليكونوا منتجين ومبتكرين. بالاضافة الى تشجيع وتمكين المرأة للعب دور أكبر في الحياة الاقتصادية والعامة والعمل على ايجاد نوع من الحكم الراشد وتوفير الأمن في مواجهة الإرهاب والعمل على اقتلاع جذور الفساد، وتبسيط تقديم الخدمات الأساسية، وتحقيق احترافية الأجهزة الأمنية. كما يجب تمكين الحكومات المحلية لحل المشكلات المحلية، وينبغي على البلدان تطوير معايير الإصلاح الخاصة بها. وفي كل هذا، فالتشجيع والدعم من الخارج مهمان للغاية؛ لكن المبادرة من داخل المنطقة إلزامية.
يمكن أن تستفيد منطقة الشرق الأوسط بشكل كبير من الإطار الإقليمي للحوار والتعاون؛ ويشمل هذا الإطار القضايا الاقتصادية والسياسية ، ويمكن لمثل هذا الإطار أن يساعد على إخماد الصراعات وتشجيع التعاون، ووضع معايير متفق عليها لتصرفات الدولة، وتحفيز ودعم الخطوات الإيجابية من جانب الدول في المنطقة.
يستطيع الشرق الأوسط أيضاً أن يجني أرباحاً هائلة من إنشاء صندوق التنمية الإقليمية لإعادة الإعمار والإصلاح. ويمكن للصندوق، في ممارساته الإقراضية، تشجيع ودفع عجلة تنمية القطاع الخاص، ويمكن الاعتماد على نماذج مؤسسات التنمية الإقليمية الأخرى مثل البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، فهو يمكن أن يدعم الأعمال والمشاريع التعاونية التي تخرج من الإطار الإقليمي. والحكومات التي تقوم بإتخاذ الخطوات الموضحة في الشق الثاني من الاستراتيجية سيمكنها الحصول على التمويل والدعم التقني. وبالفعل، فإن الصندوق والمؤسسات الشريكة ستدعم جميع الجهات الفاعلة، بما فيها الحكومات المحلية والشركات الخاصة والجماعات المدنية ورجال الأعمال وأصحاب المشاريع الاجتماعية، وكذلك المواطنين المُمَكنين.
تحتاج المنطقة إلى صندوق تنمية، لتمويل مشاريع البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، ويعتبر الشرق الأوسط هو المنطقة الوحيدة في العالم التي تفتقر إلى مؤسسة فعالة متعددة الأطراف من هذا النوع، إلا أنه في حاجة ماسة إلى واحدة من هذه المؤسسات؛ وتمول دول الخليج حالياً مجموعة من المشروعات التنموية في المنطقة، ولكن على قاعدة ثنائية، حيث كل منهم والدول التي تتلقى دعمهم يمكنهم الاستفادة من النهج الأكثر مؤسسية، وذلك بالأموال التي يديرها فريق عمل احترافي، والتي يتم توزيعها وفقا لمعايير محددة سلفاً، وتخضع لأعلى معايير من المحاسبة.
ومع أن العديد من دول المنطقة تجد نفسها في أوضاع مختلفة جداً، ولا يوجد نموذج واحد للمنطقة، الاان هناك مجموعة مشتركة من المبادئ والاستراتيجيات، التي يمكن أن تساعد جميع دول وشعوب منطقة الشرق الأوسط على إدارة الخلافات بسبب الانقسامات القبلية والطائفية والدينية، وبناء السلام والترابط الاجتماعي، وإيجاد العقد الاجتماعي للقرن الحادي والعشرين بين الحكومة والشعب، وتعزيز الشرعية الحكومية، ومنع الصراعات من التصاعد إلى العنف.
يقول التقرير ان المطلوب من زعماء الشرق الأوسط شاقٌ جداً، وبالتالي يجب على الجهات الخارجية أن تكون قوية في دعمها وتشجيعها؛ ولكن الخيار واضح: وضع أساس لنظام جديد للشرعية السياسية، أو الاستسلام للأزمة التي لا تنتهي، ولعدم الاستقرار والإرهاب. فإما تمكين المواطنين أو مشاهدة السلطة تؤول إلى أيدي المجرمين والإرهابيين.
وفي رسالة من رئيسي مجموعة عمل استراتيجية الشرق الأوسط مضمنة في التقرير يقولان ان هناك تطورات متسارعة تحدث في الشرق الاوسط « وهذه التطورات، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، لها انعكاسات عميقة ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن أيضاً بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا وبقية العالم. وهذا هو السبب في أننا، تحت رعاية المجلس الأطلنطي، قد أسسنا مجموعة عمل استراتيجية الشرق الأوسط» .
وتؤكد رسالة رئيسي المجموعة ان التقرير ليس استراتيجية امريكية للمنطقة، وانما هو بمثابة محاولة لوضع استراتيجية للمنطقة، والتي تكون مستوحاة إلى حد كبير من المنطقة نفسها، ويجب أن تتولى حكومات وشعوب المنطقة زمام المبادرة في تنفيذ هذه الاستراتيجية إذا أريد لها النجاح. ولكن الولايات المتحدة وأصحاب المصالح الخارجيين يمكنهم المساعدة.
ويؤكد ان نهج التقرير يختلف عن الجهود الاخرى في هذا المضمار من حيث ايمان فريق التقرير أن التركيز الحصري على القضايا الأمنية لا يكفي، لارتباط التحديات الأمنية في المنطقة ارتباطاً وثيقاً بالقضايا الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية.
وما نقترحه – يقول رئيسا الفريق الذي اعد التقرير ـ هو ـ النهج الاستراتيجي الجديد ـ لكيفية ارتباط العالم بالشرق الأوسط، فمنذ عهد الاستعمار الأوروبي، لعبت القوى الخارجية دوراً كبيراً في تشكيل الأحداث في المنطقة، إلا أن هذا النهج لم يعد صالحاً في عصر الدول ذات السيادة والمواطنين الإيجابيين. وبذلك يتطلب نهجا استراتيجيا جديدا والذي يغير بدوره النهج القديم تماماً.
لذلك تحتاج المنطقة إلى تحمل مسؤولية رسم مستقبلها، على الرغم من أنها لا تزال بحاجة إلى مساعدة من الأطراف الخارجية، للتغلب على العديد من التحديات التي تواجهها. وتحتاج المنطقة من القوى الخارجية أن تلعب دوراً مختلفاً تماماً عن ذي قبل، وهو ليس بدور الاستعماري المتسيد، ولا الغازي ولا الشرطي، ولكنه دور المحفز والميسر في مساعدة شعوب المنطقة على بناء نظام إقليمي جديد.
وبعد … فهذا عرض لاهم ما جاء في هذا التقرير المهم والذي يمكن ان يشكل أرضية لسياسة الولايات المتحدة الامريكية تجاه الشرق الاوسط خلال الفترة القادمة ، بعد ان اتضحت بصورة جلية العلاقة بين امن الشرق الاوسط من جانب ، والأمن الامريكي والاوربي من جانب اخر.