ذكر فصحاء النساء وحكاياتهن

427حكي عن أبي عبد الله النميري أنه قال : كنت يوما مع المأمون وكان بالكوفة فركب للصيد ومعه سرية من العسكر، فبينما هو سائر إذ لاحت له طريدة ، فأطلق عنان جواده وكان على سابق من الخيل فأشرف على نهر ماء من الفرات، فإذا هو بجارية عربية خماسية القد قاعدة النهد كأنها القمر ليلة تمامه وبيدها قربة قد ملأتها وحملتها على كتفها، وصعدت من حافة النهر، فانحل وكاؤها فصاحت برفيع صوتها : يا أبت أدرك فاها قد غلبن فوها لا طاقة لى بفيها .
قال : فعجب المأمون من فصاحتها ورمت الجارية القربة من يدها ، فقال لها المأمون : يا جارية من أي العرب أنت؟ قالت : أنا من بني كلاب ، قال : وما الذي حملك أن تكون من الكلاب؟ فقالت : والله لست من الكلاب وإنما أنا من قوم كرام غير لئام يقرون الضيف ، ويضربون بالسيف ، ثم قالت : يا فتى من أي الناس أنت؟ فقال : أو عندك علم بالأنساب؟ قالت : نعم . قال: أنا من مضر الحمراء قالت : من أي مضر؟ قال : من أكرمها نسبا، و أعظمها حسبا، وخيرها أما وأبا ، وممن تهابه مضر كلها.
قالت: أظنك من كنانة قال: أنا من كنانة قالت : فمن أي كنانة؟ قال : من أكرمها مولدا وأشرفها محتدا وأطولها فى المكرمات يدا، ممن تخافه كنانة وتهابه ، فقالت : إذن أنت من قريش قال : أنا من قريش قالت من أى قريش؟ قال من أجملها ذكرا وأعظمها فخرا ، ممن تهابه قريش كلها وتخشاه ، قالت أنت و الله من بنى هاشم ، قال : أنا من بنى هاشم ،قالت : من أي بني هاشم قال : من أعلاها منزلة ، وأشرفها قبيلة ، ممن تهابه هاشم وتخافه ، فعند ذلك قبلت الأرض وقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين . قال : فعجب المأمون وطرب طربا عظيما وقال : والله لأتزوجن بهذه الجارية لأنها من أكبر الغنائم، ووقف حتى تلاحقه العساكر، فنزل هناك ، وأنفذ خلف أبيها وخطبها منه , فزوجه بها وأخذها وعاد مسرورا , وهى والدة ولده العباس والله أعلم .
من كتاب المستطرف في كل فن مستظرف.. لشهاب الدين محمد بن أحمد الابشيهي.
هذا مع تحياتي وشكري