المفترون على الصادق المهدي

423(1)
قد يرى المحرر الصحافي المحترف انه ربما كان من الاصوب ان يكون العنوان (الصادق المهدي المفتري عليه)، و لكنني قدّرت ان يبقي العنوان في صياغته اعلاه لسبب بسيط وهو ان المقال لا يعني بأمر الإمام في شخصه بقدرعنايته بأمر بعض المتعلمين والمثقفين الذين ادمنوا تصويب سهام النقد الي الرجل في الطلوع وفي النزول، ادمانا يقف بصنيعهم هذا في منزلة ما بين منزلتي الهواية والاحتراف.
والامام الصادق المهدي زعيم ديني ومفكر اسلامي وقائد سياسي له تاريخه ومناهجه ومواقفه. ومن حقائق الاشياء و بدائه الامور ان زعيما و قائدا مارس – و يمارس – وجودا كثيفا و ثقيلا، بكل معاني الثقل الفكري و السياسي، علي جميع ساحات العمل العام علي مدي اربعين عاما لا بد ان تخضع مواقفه وممارساته وافكاره للفحص والمراجعة والتقويم شأنه في ذلك شأن غيره من القادة التاريخيين ذوي الفاعلية الشمولية والتأثير القومي. وليس ما ارمي اليه هنا هو هذا النوع من التقويم، وانما استهدف ذلك الصنف من النقد الذي يكاد يقترب من الهذر فلا يصمد امام اهون اختبار للتقدير الموضوعي ومع ذلك تسمعه يتردد ويأخذ مكانه ضمن المسلمات والثوابت.
وانما استهدف ايضا ذلك الصنف من المتعلمين الذين درجوا علي التصدي لقضايا الشأن العام و تناولها تناولا منهجيا ومنطقيا في غالب امرهم حتي اذا وقفوا عند ابواب السيد الصادق المهدي ركبهم عفريت فتنكبوا جادة المنهج و فقدوا رداء المنطق واتوا بكل عجيبة!
(2)
منذ ان بلغت مداركي مبالغ اولية من الوعي السياسي، و انا في المرحلة المتوسطة بمدينة عطبرة، وجدت مادة للتأمل في القابلية التلقائية للاسترخاء الي دعاوي عن شخصية المهدي راجت من حولي كالاساطير وأصبحت جزءا من وعي عامة الناس، ومن ذلك تلك الدعوي المنسوبة له وفيها يقول انه وُلد ليحكم و انه يريد ان يتولي زمام السلطة ليقوم بحل مشكلات السودان في شهر واحد ومشكلات العالم العربي و افريقيا في شهرين ومشكلات العالم كله في ثلاثة اشهر!
غير ان الذي ضاعف من الحافز عندي لاستقصاء جذور الظاهرة، ظاهرة استساغة استهداف المهدي استهدافا عفويا مستطردا، بقصد او بغير قصد، كان هو ذلك الحوار الذي دار – حوالي عام 1988 – بيني وبين الصحافي البارز الدكتور محي الدين تيتاوي، رئيس مجلس ادارة صحيفة (الاسبوع) التي كانت تصدر خلال حقبة الديمقراطية الثالثة بشأن الكاريكاتيرست المعروف كاروري، الذي كانت رسومه الكاريكاتورية و احدة من عوامل نجاح الصحيفة، و كان قد غادرها الي صحيفة اخري نتيجة خلاف فيما يبدو بينه و بين تيتاوي. و قد فهمت من الاخير ان أس الخلاف كان هو السيد الصادق المهدي. فقد لاحظ تيتاوي بشئ من الاستغراب ان الصحيفة كانت تخرج كل يوم برسوم كاريكاتورية تنتقد المهدي و تستدر السخرية منه ومن سياساته ومواقفه، فأراد تيتاوي ان يعرف من رسام الكاريكاتير كيف اتفق انه وعلي مدار عام كامل لم يجد في مواقف وسياسات زعيم سياسي فاعل موازي للمهدي، هو السيد محمد عثمان الميرغني، ما يستحق ان يكون مادة لرسم كاريكاتوري ساخر واحد بينما تسني له ان يجد مادة للتشنيع بالمهدي مع شروق كل شمس؟
والحق انني لا اذكر الاجابة التي اتي بها كاروري و لكنني اتصور ان هناك اسبابا وجيهة يمكن لها ان ترد في معرض التفسير، ابرزها ان الرسم الكاريكاتوري الذي يجعل من المهدي مادة له ( يبيع) ويجد من الصدي والتفاعل في الشارع العام اضعاف ما يجده التجسيد الكاريكاتوري لزعيم موازي مثل الميرغني!
(3)
كانت ظاهرة النقد المكثف المصوب باتجاه المهدي قد لفتت انتباهي بعد هجرتي للولايات المتحدة إذ وجدت محافل المتعلمين وقد أوغلت في معالجة قضية واحدة الا وهي تقويم تجربة الديمقراطية الثالثة وتحديد المسؤوليات والمسؤولين عن انهيار حصونها امام جحافل الحركة الاسلامية. و كانت هذه المحافل قد خلصت فيما يشبه الاجماع الي ان مسؤولية سقوط الديمقراطية تقع كاملة علي عاتق رئيس الوزراء المطاح به!
وهناك ولا شك العديد من الموضوعات في سيرة المهدي يلفها ضباب كثيف سارع تحت غشاوته آلاف من متعلمي المَهَاجر الامريكية الي تكبيل الرجل بأصفاد غلاظ، ابتداء من الادعاء بنكوصه عن مواقفه المعلنة من القوانين السبتمبرية وصولا الي مغالطات فاضحة حول الوقائع و تداعيات الاحداث خلال حقبة الديمقراطية الثالثة استبدلت الحقائق بدعاوٍ واساطير لا تستصحب منطقا ولا تهتدي بتاريخ، و لكنها مع ذلك تروي و تعاد وتمضغ وتجتر.
(4)
وقد حدثتني نفسي ان اكتب عدة مقالات في بعض المنابر الالكترونية حاولت فيها ان اُذكّر جموع المتعلمين و المثقفين بجملة من الوقائع التي لا يكتمل التقويم المتجرد بغيرها، بأمل ان تؤدي مثل هذه المحاولات الي المزيد من التمحيص و التعمق الموضوعي بما يعين علي فتح الطريق نحو نتائج وخلاصات متينة و مستوعبة لحقائق التاريخ المعاش. و قد نهد نفر عزيز ممن ارتادوا تلك المنابر الي اثراء المناقشات والتماس الحقائق.
غير ان واحدا ممن لم تصادف محاولاتي لانصاف المهدي هوي في نفسه لجأ الي حيلة من اغرب ما خَبِرت اذ تبرع بإذاعة معلومة، تفتقر الي الدقة، قذف بها الي جوف الاخطبوط الاسفيري تقول: ان كاتب المقالات هو (السكرتير الصحفي السابق للسيد الصادق المهدي)، و ظللت بعد ذلك اتلقي ارتالا من الرسائل الالكترونية من كثيرين يسخر بعضهم فيها من خلفيتي السياسية المزعومة، ويشد من ازري اخرون بكلمات مؤداها انهم يحترمون خياري في الانتماء لحزب الامة و يقدرون دوري في الدفاع عن زعيم حزبي!
وقد انتهز احد الاصدقاء الخبثاء فرصة ميلاد ابنتي فبعث بخبر اجتماعي نشرته صحيفة سودانية امريكية واسعة الانتشار يقول: (اجمل التهانئ للاخ مصطفي البطل السكرتير السابق للسيد الصادق المهدي بالمولودة الجديدة)! وواقع الامر انني عملت لاكثر من عشر سنوات في رئاسة مجلس الوزراء كادرا من كوادر الخدمة المدنية في سلك الضباط التنفيذيين و قد تصادف انني اشرفت لبعض الوقت علي الادارة المسؤولة عن الشؤون السياسية و السكرتارية الصحفية لمكتب رئيس الوزراء خلال فترة الحكومة الانتقالية ثم حقبة الديمقراطية الثالثة، الا انني لم انتم قط لحزب الامة ولم اعمل تحت اية صفة في المكتب الخاص لرئيس ذلك الحزب! و كنت كلما ظننت انني فرغت من شرح هذا الخلط ظهر في حياتي من يثيره فأعود من جديد الي سيرة التوضيح ورفع الالتباس مثلما سيزيف الذي حكمت عليه الآلهة في الميثولوجيا الاغريقية ان يحمل الصخرة من اسفل الجبل الي قمته، فتسقط وتتدحرج، فيعود مرة اخري الي السفح ليحملها الي القمة.
(5)
و سبحة الامثلة تكر ولا تنتهي فمن نماذج الشطط في طرح الموضوعات التي ترد فيها سيرة المهدي السياسية مساهمة تقدم بها اعلامي حاصل علي درجة الدكتوراة ونشرت علي أحد منابر الشبكة، جاء فيها: (وكان المرحوم محمد احمد محجوب يكره الصادق المهدي كراهية شديدة)، و كتبت مستفسرا عن مصدر هذه المعلومة فرد الاعلامي بأن المصدر هو كتاب المحجوب ( الديمقراطية في الميزان)! وواضح ان الاعلامي كان يشير الي الفقرات التي انتقد فيها محجوب موقفا معينا للمهدي حين ابلغه الاخير بأنه قرر تولي منصب رئيس الوزراء بنفسه. وهذا التخريج المثير للعجب يسلط أضواءً باهرة علي ظاهرة الجنوح للمبالغة والتهريج من قبل بعض المثقفين برغم المؤهلات الاكاديمية العالية التي يفترض معها سيادة الروح العلمية بما يقتضيه ذلك من سلامة الاستنتاج و مواكبته بأدلته المنطقية.
ومن صور تعسف الاسباب واصطناعها للافتئات علي المهدي الحديث المكرور عن سنه المتقدمة وطول بقائه علي رأس حزبه العتيد، وهو ادعاء لا صلة له في واقع الامر بطول العمر وتقدمه وإن اتخذ منه مطية وذريعة لزحزحة الرجل عن مواقعه بغرض تسريع اجندة سياسية مغايرة. ومن عجب ان الثقافة الاجتماعية السودانية في صميمها تجعل من مثل هذا الادعاء سلوكا معيبا اذ انها تنظر الي ارتفاع السن علي أنه مرادف للحكمة ومستودع لها و مناط للتبجيل والاحترام. كما ان ارتفاع السن في الثقافات الغربية لا يعني شيئا في حد ذاته، فالعبرة عند الغربيين بنمط الحياة وممارساتها المعتادة فالذين يتبعون نمطا معينا من الحياة فيستهلكون الاغذية الصحيحة و ينتظمون في انشطة حركية محددة ثبت علميا انها تحافظ وتستديم الصحة العقلية والجسدية هم اكثر الناس اهلية للعطاء المستمر بصرف النظر عن عدد سنوات العمر، بينما تجد منهم من هو في الخمسين وما عاد يصلح لشئ بسبب من سوء اختياراته الحياتية.
واذكر ان الحديث المستعاد عن عمر المهدي اثار ذات مرة اديبا كبيرا فأبدي امتعاضه وحيرته من مكر المتعلمين الذين جاءهم المهدي و هو ابن تسع وعشرين ممتلئا بالحيوية و العنفوان فاستكثروا عليه الحكم وقالوا كيف يحكمنا من كان في المهد صبيا، فلما نهض ليتصدي للهم العام وهو في سن متأخرة قالوا كيف يحكمنا وقد بلغ من العمر عتيا!
وعندي ان افتعال دواع غير منطقية لازاحة القادة السياسيين وعزلهم عن مسارح القيادة انما يعكس ضعفا بنيويا و اخلاقيا عند جمهرة المثقفين و يفضح استخذاء وعجز هؤلاء امام متطلبات العمل السياسي النضالي المنظم الذي لا سبيل غيره للتأثير علي الواقع وتغيير اسسه و دينامياته، و ركونهم بدلا عن موالاة ذلك المسار الشاق الي التفكير الرغائبي و الاماني غير المشروعة في زوال اللاعبين السياسيين من ذوي الفكر المغاير و انحسار ظلهم عن الساحة.