قارئة الفنجان

sada٭ تغمرني لحظات من الاكتئاب والتشتت الذهني.. تعجز القراءة عن اخراجي منها.. وساعتها ألجأ إلى الموسيقى وإلى جهاز التسجيل في كثير من المرات.. وأنجح في طرد تلك اللحظات التي يقودني إليها الواقع قسراً وأبدأ من جديد رحلتي مع الأمل الذي أتمسك به حد التطرف.
٭ أدرت جهاز التسجيل وإذا بي مع قارئة الفنجان التي وضع كلماتها نزار قباني.. استمعت إليها بصوت عندليب الشرق عبد الحليم حافظ.. الموسيقى أخذت تؤدي دورها في أعصابي المشدودة وذهني المشتت ما بين المستقبل الغامض لمسار السياسة في هذا البلد المعيون.. السياسة ما بين أهل الانقاذ الذين تمدد حكمهم حتى قارب العقد الثالث وهم أمام تجربة جديدة مع مخرجات الحوار الوطني صاحب المائة حزب ويزيد.. وبين أهل المعارضة التي أصبح أمرهم جالباً للحيرة الكاملة فهم في شغل شاغل ما بين المغالطات واللقاءات الخاوية ومصطلحات الصادق المهدي التي بدأت بالمشاط أبو قملة وتنتهي بالجهاد المدني.. والسفر إلى القاهرة وعودة في ذكرى استقلال السودان الأول يوم 26 يناير 1885م.
وكعادتي رحت مع كلمات الأغنية:
جلست والخوف بعينيها
تتأمل فنجاني المقلوب
قالت يا ولدي لا تحزن
فالحب عليك هو المكتوب
فنجانك دنيا مرعبة
وحياتك أسفار وحروب
٭ انفصلت عن الكلمات وذهبت بعيداً عن قراءة الفنجان إلى عالم المنجمين.. تذكرت حارسي النجوم في قصة سالي فوحمر لأديبنا الراحل جمال محمد أحمد.. إلى أن تمرد (فارطاس) بقوة الفن وسحر الكلمة والنغمة وانقذ عكاف وبقيت قصة حبه لسالي.
٭ استعرضت في ذهني الانسان في التاريخ القديم حين كان يعيش مستسلماً للمنجمين قراء الطالع.. بل مر التاريخ بفترة كان فيها المنجمون من الذين يحكمون العالم كما في مملكة (كوش) فكل حاكم أو رئيس قبيلة أو زعيم شعبي يكون بجانبه دائماً منجم يفرض كلمته عليه بما توصي به إليه قراءة النجوم إلى أن ارتقى العقل البشري واقتنع بأن المنجمين ليسوا سوى قوم أذكياء يستغلون اعتزاز الانسان بقوته أو خوفه من ضعفه ويستغلون أحلامه وأطماعه وشهواته كما يستغلون ما يعانيه ليضعوا أمامه صوراً لمستقبل يختارونه ويقذفونه به.
٭ ولكن مع ذلك ما زالت هناك بقية من التمسك بالاهتمام لمعرفة الطالع ومحاولة كشفه تسيطر على الانسان ذلك الكائن اللغز تجاه اللغز الأكبر الحياة.. ولكنها حالة نفسية تتطلب سماع الكلمة الحلوة كلمة يستبشر بها كما يستبشر بشروق الشمس أو بتفتح زهرة أو وردة كلمة تجعله يقبل على عمله وهو مرتاح نفسياً وعصبياً دون أن يكون لهذه الكلمة أثر مباشر على فكره الذي يخطط به حياته وهي حالة تشمل كل الناس مجرد استشارة أي حالة نفسية لا علاقة لها بالواقع ولكنها تصل حد الخطورة إذا سيطرت على صاحبها وجعلته يستسلم لذلك العالم.
٭ أفقت من رحلتي هذه لأجد عبد الحليم حافظ فرغ من أغنية قارئة الفنجان.. وبدأ ترباس في أغنية يا ريت واستطعت أن أواصل قراءتي في كتاب (منبع أصول الحكمة) تأليف الامام الكبير والحكيم الشهير أبي العباس أحمد بن علي البوني.
هذا مع تحياتي وشكري