وشهد لنا شهود من غير أهلنا

485لا يكاد يمر أسبوع دون أن أتلقى رسالة من قارئ، يطالبني فيها بالتصدي للمقولة الرائجة بأن السودانيين كسالى، ورغم أنه لم يمر يوم واحد طوال 20 سنة تقريبا، دون ان يظهر لي مقال في صحيفة خليجية، إلا أنني لم أكتب ولا مرة واحدة نافيا تلك التهمة عن أهلي، وحتى لو تناولته عرضا في سياق موضوع آخر، لا يكون ذلك بلغة النفي الغاضبة.
وقلت في مقالي هنا أمس، إننا صرنا نصم أنفسنا بصفات يعتبر الكسل مقارنة بها «غزلا ونرجسية»، وقد عشت في منطقة الخليج أكثر من 30 سنة، وسمعت عشرات النكات عن كسل السودانيين، ولكنني لم أسمع خليجيا او عربيا يتحدث عن السودانيين «بصفة عامة» إلا بالخير والثناء، وعندما كانت جامعاتنا حسنة السيرة، كنت أتلقى الاتصالات من أصدقاء خليجيين: شوف لنا محاسب سوداني .. ولماذا سوداني بالذات؟ يأتيك الرد: بصراحة جربنا كل الجنسيات وأنتم أهل أمانة. وأعرف عشرات السودانيين العاملين في الخليج «بالاسم»، يتقاضى الواحد منهم راتبا في حدود ألفي (2000) ريال ولكنه يتوجه يوميا للبنك لإيداع 200 ألف ريال في حساب صاحب العمل.
في أول سنة لي كمغترب عملت في شركة أرامكو بالسعودية، وكنت في الأمسيات أعمل مترجما لدى شقيقين يديران مستوصفا طبيا وشركة مقاولات في مدينة الدمام، وقرر الشقيقان تشييد مستشفى تخصصي ضخم (قام بالفعل باسم «المواساة»)، وجاءت وفود من مختلف انحاء أوربا للتفاوض حول المشروع، وكنت احضر جميع جلسات التفاوض لأترجم المداولات، حتى صرت «فاهم الشغلانة»، وأتولى الرد والإيضاحات نيابة عن الشقيقين، دون تكليف نفسي عناء الترجمة، وفي ذات أمسية زارني مدير شركة تقدمت بعطاء لتشييد المستشفى، وقال لي ما معناه: سنكافئك على تعبك معنا بعد فوزنا بالمشروع بعمولة محترمة، وأدركت أنه يريد ان يشتريني، واتصلت بأكبر الشقيقين وقلت له ان شركة كذا عرضت علي رشوة نظير إرساء المشروع عليها. فضحك الرجل وقال لي: جاتني فكرة. تقول لكل شركة انك ستعمل على ارساء العطاء عليها، وعلى كده تاخد عمولة في كل الأحوال دون ان تكون قد خنت الأمانة، وفي اليوم التالي كان قد قرر إسناد منصب مدير المشروع لي، ولكن شركة أرامكو رفضت «التنازل» عني، ليس حبا في شخصي او تقديرا لكفاءتي، ولكن لأن نظام الكفالات المعمول به في الخليج يعطي الكفيل حق الاحتفاظ بالمكفول رهينة.
في عام 2007 كنت في محطة قطارات ضخمة في لندن مع عائلتي متوجها الى غلاسغو، ولم أجد رقم قطارنا على لوحة الرحلات، فتوجهت الى عامل آسيوي في المحطة لأسأله عن الرصيف الذي سينطلق منه قطارنا، فطلب مني وعائلتي ركوب عربة كهربائية صغيرة مع أمتعتنا، وتوقف بنا أمام عربة درجة أولى، وشرع في تحميل أمتعتنا فقلت له إن تذاكرنا ليست درجة أولى، ولكنه ابتسم وقال: هذه العربة أضيفت الى قطاركم في آخر لحظة، ولا حجوزات فيها، وستبقون فيها بمفردكم حتى غلاسغو دون ان تتعرضوا للمساءلة،فقال لي إبليس «الراجل ده عايز حركة» فظللت أهمهم: هاو كان آي ثانك يو؟ كيف لي أن أشكرك؟ فهم الرجل مرادي وجلس بقربي وقال: عندما تعرض اليوغنديون من أصل هندي للتنكيل في عهد إيدي أمين هربت وأنا شاب صغير الى السودان، وتسكعت فيه ما بين الحدود الجنوبية والخرطوم طوال 3 سنوات، لم أجد خلالها سوى حسن المعاملة والكرم، وقضيت سنة مع عائلة في أم درمان، تولت الاتصالات، حتى عرفت ان اهلي استقروا في لندن، ورتبوا أمور هجرتي الى بريطانيا على نفقتهم، ومنذ يومها وأنا «أعمل كمين» كي ألتقى سودانيا، كي «أرد له الجميل»