مواسم الهجرة إلى الشمال.. مواسم الهجرة إلى اليمين

461لاتزال الهجرة حديث الفضائيات والوكالات والأسافير فهى ما يغير العالم الآن. فالأمل فى بدايات أفضل هو ما يحرك أمواجها وأفواجها من الجنوب الفقير إلى الشمال الغنى . والخوف من وجوه غريبة ومنافسة على حياة رغيدة هو ما يقلق الشعوب على الضفاف الأخرى من البحار. والأمر سجال بين قوة الرجاء وقوة الخوف . وليس الخوف بأقوى من الرجاء لذلك لا يزال مئات الآلاف يتدفقون إلى شواطىء الشمال رغم هلاك الآلاف منهم فالرجاء لديهم أقوى من المخافة. بيد أنه فى الجانب الآخر تضطرم مشاعر الخوف والتوجس لينشأ عنها أخطار لم تكن بالحسبان وليست أسبابها الحقيقية هى الهجرة وإنما سببها الخوف والتوجس.الهجرة حديث الأرقام :
والحديث عن أرقام العام 2015 تضاعف طلبات اللجوء إلى اوروبا فى العام ألفين وأربعة عشر بنسبة 123%
ولا تزال الأرقام قيد الحصر النهائى للعام 2016
بلغ عدد المهاجرين في عام 2015 أكثر من 250 مليون شخص العالم.
والهجرة مرحلتان هجرة من الجنوب للجنوب ثم منه إلى الشمال و الهجرة بين دول الجنوب فيما بينها تمثل 38% من إجمالي عدد المهاجرين في العالم، فى حين تمثل الهجرة من دول الجنوب إلى دول الشمال34 %
380000 لاجئ وصلوا إلى أوروبا خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة وكما أن 190000 لاجئاً وصلوا الاتحاد الاوربي فقط في شهرى يوليو وأغسطس وأكثر من ثمانية وثلاثين ألفا عبروا من تركيا وضعت السلطات الأوروبية في رأس أولوياتها هدفا يقضي بمحاربة جيش المهربين المكون من 30 ألف مهرب تشتبه في كونهم يتاجرون بالبشر.
المفقودون من الأطفال والمراهقين وحدهم يصل عددهم إلى حوالي 5835 لاجئاً
432.761 عدد المهاجرين الذين عبروا البحر المتوسط
924.147 عدد المهاجرين الذين عبروا البحر الى اوربا
وأما نسبة المهاجرين في لبنان وحده فتصل إلى 26% من عدد السكان وأما سوريا فيحسن عنهم السكوت
سيصل عدد اللاجئين والنازحين في العالم، بنهاية العام ، إلى مستوى قياسي جديد ليتخطى حاجز الـ60 مليونا، وهو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية
والنسبة الأعلى من بين المتقدمين للجوء هي من الشباب و وصلت أعدادهم إلى 33 في المائة ، وشملت هذه النسبة 29 ألف مهاجر في الأردن، و13 ألفا في تركيا، و10 آلاف في لبنان، و3 آلاف مهاجر في اليمن هؤلاء هم من وصلوا إلى مرحلة تقديم طلبات اللجؤ التى يرفض حوالى 80 بالمائة منها وربما أكثر فى بعض بلدان أوربا التى تتخذ سياسات رافضة لإستقبال المهاجرين يشمل ذلك حالات اللجؤ الإنسانى من بلدان تسودها الحروب والكوارث مثل أفغانستان والعراق وسوريا ولن نتحدث فى هذا المقام عن من كان السبب لما يجرى فذلك حديث له مجرى آخر.
ومن العراق وحده وصل إلى تركيا توجها إلى أوربا من اللاجئين العراقيين أكثر من 800 ألف لاجئ
أما الهجرة من أفريقيا فقد أبانت القمة الأوربية فى مالطا مؤخرا أن تركيز أوربا الأساس بعد الصفقة مع تركيا، سوف ينصب على قضية الهجرة من أفريقيا. وقد قام عدد قياسي بلغ 181 ألف شخص بالرحلة الخطرة من ليبيا إلى أوروبا العام الماضي منهم 25 ألفاً من القصر، كما أختفى أكثر من خمسة آلاف يعتقد أنهم غرقوا وهم يحاولون عبور البحر».
ومن المتوقع أن تزداد أفواج المهاجرين مجددا مع بدء دفء الطقس وتحسن الظروف المناخية. ولئن كانت الهجرة من آسيا هربا من الفوضى فإن الهجرة من أفريقيا تأتى هرباً من الفقر وغالب المهاجرين من بلدان شرق أفريقيا وغرب أفريقيا الأكثر فقرا.
فوبيا الهجرة فى الشمال :
هذه الأرقام تكاد تثير حالة من الذعر الإجتماعى فى أوربا . وفى أجواء الخوف والتوجس والذعر يكاد ينفرط النظام وتتبدد قيم كثيرة كانت هى التى تصد غاشيات الفوضى وتصون الاستقرار. فالمجتمعات الأوربية والأمريكية تسودها حالة من التوجس من أفواج اللاجئين إليها وتكاد تلكم المشاعر الخام أن تبدد قيم الرحمة وحماية حقوق الانسان بإزاء المهاجرين، كما أنها تدفع المواطنين هنالك إلى حالة مقلقة من الخوف من المستقبل يستغلها سياسيون إنتهازيون لتحقيق طموحاتهم فى الصعود السياسى المتسارع بينما يستغلها إعلاميون أمثالهم لترويج ما يبيعونه للناس من إقاصيص وسرديات وأنباء. وهكذا تندفع أوربا إلى حافة المخافة والحذر. وتتجه بيمينها إلى التطرف الذى ما تنفك تدينه . والتطرف هو مركبة كل راكب للتعصب والكراهية والعنف ،كما يتجه يسارها هو الآخر إلى اليمين ، وهكذا تميل السفينة بإسرها يميناً ، وما يدرى المرء كيف تكون العاقبة. إن التوجس من الهجرة والعجز عن معالجة شأنها بالحكمة والتعاون بين الامم، يوشك أن يدفع بالعالم باسره إلى مآلات مجهولة. وقد شهدنا الإضطراب العظيم الذى حركه قرار الرئيس الإمريكى بمنع دخول مواطنى سبع دول إسلامية للولايات المتحدة الأمريكية ، وكيف كانت أسرع تداعياته هى القتل والحرق فقد جرى النفخ فى نار التوجس والبغض لدى متطرفين فى أمريكا وكندا فكان تجاوبهم مع حالة نشر الشك والريبة والتوجس أن سارعوا إلى حرق المساجد وقتل من فيها. وما يؤسف له أن اليمين قد أعطى حالة الفوبيا من الهجرة بعداً آخر بأن أضاف إليها الإسلاموفوبيا، التى تتغذى من التاريخ والمرارات القديمة. وهذه حالة لا تهدد التعايش بين المجتمعات الغربية التى بات يساكنها ملايين من المسلمين ولا تهدد التعايش بين الأمم فحسب بل تهدد الاستقرار السياسى فى أوربا وتدفع بالقيم الناظمة لهذا الاستقرار إلى التناهى والإنحسار.
تعاون الأمم هو الحل :
إن أسباب الهجرة معلومة وهى الفوضى والفقر ولئن كانت الفوضى يصنعها صانع لمقاصد سياسية أو اقتصادية أو أمنية فإن الفقر يصنعه صانع هو الآخر وهو العلاقات التجارية والاقتصادية غير المتوازنة بين الأمم . وقد كانت أوربا تدرك ذلك منذ بُعيد استقلال الأمم فى أفريقيا وغيرها من الأمم ، وتوافقت وتعاهدت على حزم من السياسات لدعم التنمية وتحسين الميزان التجارى مثل (المساعدة الإنمائية الرسمية)المسماة (أودا) وسياسات لتخفيف عبء الديون . بيد أن هذه السياسات ما لبثت أن دخلت إلى متاهة المضاغطات السياسية فتراجعت وانحسرت وأصبح الحديث عن شراكة عالمية من أجل التنمية يكاد يقال له (حديث خرافة يا أم عمرو).
إن قضية الهجرة وما أضحت تثيره من إضطراب لن تعالجها القمم الطارئة ولا المعالجات العاجلة . وإنما تبتغى مراجعة جوهرية للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين الأمم. وخطط الأمم المتحدة الإنمائية ليست بالكافية ولا بالوافية بالغرض . وهى نفسها لا يقع الفعل فيها موضع القول إلا قليلاً.
إن الحوار بين الجنوب والشمال لابد من رُجعى إليه سريعة وقوية وكذلك حوار الجنوب مع الجنوب. فلئن كان الحوار والتعاون بين الجنوب والشمال واجبا، فإن حوار الجنوب والجنوب أوجب . إن العالم محتاج اليوم إلى تعارف بين الامم وتوافق وتعاون. وذلك هو البديل عن ثقافة كراهية الآخر والتوجس منه وطرده حسيرا كسيرا من مطارات أوربا وأمريكا ومرافيها، فما من شىء مفسد للحياة ومؤذن بهلاكها مثل البؤس واليأس.