من على متن الطائرة في رحلة الخرطوم القاهرة

نانسي الخلف <
بعد التنقل بين أرقى المدن وأجمل البلدان، حطّت رحالي في جمهورية السودان. وببياض ضحكتهم استقبلوني، وما الوجه إلاّ مرآة القلب، يغرف منه حلو المشاعر والمعاني.
هذا هو «السودان»، البلد الإفريقي الملامح، والموسوم بالطيبة وتكثير «الملايح».
وللعلم والخبر، فلست بعيدةً عن إفريقيا ودولها التي أعشق لأسباب تخصّني وقد لا تخصّني ..فلقد زرت أكرا وأبيدجان. وكنت إذا ما سُئلت عن بلد أعشق مناخها وأرتاح في التودد لأهلها ..كان يسبقني اللسان: «دول إفريقيا»، والآن أقرّ وأقول : أنا السودان…طبعاً مع حفظ المودة والألقاب لكل دول إفريقيا.
أمّا عن أسباب محبتي التي خلت أنّها تخصّني، فاكتشفت في سفري أنّها تخص الجميع، بل إنّها حاجة الجميع. كيف لا؟! وهي فن الاستمتاع بالحياة بأبسط الأشياء التي خلقها رَبّنا..كيف لا؟! وهي ثقافة التبسيط للتجديد، وما الإبداع إلاّ بذرة فكرة بسيطة.
وفيما يخصّني، هو أنّ «السودان» تشبهني في الصراحة، تشبهني في حبي للبساطة، تشبهني في حبي للحياة بكل ما حملت وخبّأت.
ولعلّي أشبهها في الاستمتاع بالموجود ولو اليد قلّت، وحب التعارف والانفتاح ولو النفوس كلّت.
وقلتها وأقولها: «أنا سوداني». وليست كلماتي جرعات عاطفية عابرة سبيل، ولا مشاعر فضفاضة وتسبيل. أتعلمون لماذا، لأنّه بلد رحيب ولست فيه بغريب،
فيه طاقات بشرية وثروات طبيعية، ومنه تشحن طاقتك الذاتية.
ورغم أنّ كاميرا الإعلام إلتقطت بعض «الصور النمطية» التي خدعت فيها صفّ الأغلبية، إلاّ أنّ عدسات العيون الصادقة ترصد قوة الشعب السوداني فكرياً ووجدانياً، وأظنه السبب في محاولة إلباسه هذه الصورة النمطية. وكلّنا شاهدنا هذه الصور أو بعضاً منها، والتي تمثّل الإنسان السوداني على أنه هذا الشخص الفقير والمسكين بل والبسيط في التفكير. وهل ننسى المسلسلات التي تصوّر الأخ السوداني بأنه ناطور بناية أو «السفرجي»!! «أي المسؤول عن الطبخ وإعداد الطعام للعائلات الراقية» فكم راقيةٌ هي في موائدها فارغةٌ في عقولها.
نعم، أخانا في الإنسانية وأختنا في الإنسانية هم كلّ الشعوب باختلاف عرقها ولونها، واختلافهم هو ما ينقصنا واختلافنا هو ما يكملّهم. أولم يقل رَبُّنا جلّ وعلا:( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، فلم لا تتعارفوا لترتفعوا؟؟!!
ولنسافر من هذه الصورة النمطية إلى الجمهورية السودانية، مارأيت وخبرت ولمست هي تلك الصورة «النوعية»، «نوعية» في الثقافة و«نوعية» في الأدمغة الشرهة للعلم وللتقدّم وللعمل بصدق مهما كانت النتيجة وبدون اعتبارات ولا إمتيازات. فالشرف في السودان لصاحب المحاولات وليس لبائع المغالاة.
فإذا بالدكتور الفلاني، وها هو المهندس الفلاني، وذاك المحاضر الذي خطف الأسماع خلال زيارتنا لأحد المراكز العلمية الرائدة في الخرطوم.
أجل، شعاري بعد زيارتي للخرطوم «بساطة عيشكم كانت منحة لكم لتركّزوا في الأولويات وتنسفوا الملهيات»، من أحدث الهواتف الذكية وسيارة آخر موديل. وقد يُنكر عليَّ أصحاب الرفاهة الفكرية قولي، ولَم أنكر أنّها نعمة ومتعة على أن لا تتحوَّل إلى أهدافٍ للمجتمعات، فعندها ستوافقوني أنّ هذه الكماليات نقمة. وقد أحسن استخدامها هذا الشعب الذكي في مؤتمر عربي إفريقي للإعلام الرقمي، وهو سبب سفري وزيارتي للسودان.
وعودة إلى رحلتي، عودة على مستوى التجربة الإنسانية، وهي جُلّ ما نتعلم من أسفارنا.. هناك، في السودان أكلت السمك في مطعم شعبي تتراقص فيه الطيبة وروح الفرح. أكلت السمك بدون طبق -ولَم يكن مستغرباً ولا منكراً- فمخالفة الطقوس والعادات هي فرصة لنسترجع العفوية ونعود إلى الفطرة السوّية.
كانت جلسة بسيطة إلاّ أنها مغمورة بالتواصل، ممزوجة بحسّ المشاركة وأنس المرافقة، ومصحوبة ببشاشة أهل السودان ومرحهم وحبهم للحياة ..فكم من مائدةٍ في أفخم المطاعم أفرادها صُمٌّ عن الإحساس وبكمٌ عن التواصل، يملأون منها البطون، ولا يملأون المشاعر المتعطشة والعقول الجائعة. مائدة لا تعلو الأرض بكثير، ولكن تعلو بالمشاركة الإنسانية والسرور المديد. فتشاركنا الطعام والكلام على أنغام المحبة وإنشاد لكورال من دمٍ سوداني جديد، شبابٍ  وشابات تقرّبوا منّا بطريقة إنسانية، وبدون أجهزة ذكية فقالوا لنا نسّم علينا الهوا، فاختلط الهواء اللبناني بالهواء السوداني.
وبعيداً عن الكماليات والشكليات والبروتوكولات..كان الطبق الرئيسي هو الإنسانيات.
ومن تواصل رقمي جمعنا إلى تواصل إنسانيٍ شبكّنا.
وبعد أن تحكّمت وسائل الإعلام الرقمي في الفهم والمعرفة  والاستخدام للعقول المستهلكة، اجتمعنا على  إثراء المحتوى الرقمي لنرتقي بالإنسان المنتج وبما حوله من وسائل متحكّمة.
وإن كان القول السائد:«أجهزة ذكية وعقولٌ غبية» فأقول متحرّكة من علمٍ ويقين: «عقول ذكية ستتفوّق على الأجهزة الذكية»..والبداية من السودان، ومن «الاتحاد العربي الإفريقي للإعلام الرقمي».
ويبقى لمن زار وسيزور السودان: «تبلدي» و«زول»، ولا تستعجلوا سأقول لكم ما هي، أمّا «التبلدي» فهو العصير المميز من هذه الشجرة الطيبة، وَأَمَّا «زول» فهو ما يترجم عندنا في لبنان بـ «يا زلمة» أو «يا رجل»، و«زولا» هو مؤنثه.
ومن لبنان حيث أنا الآن، عدت وفِي حقيبتي سؤال: متى كانت بساطة العيش مرتبطة ببساطة التفكير؟ متى ومتى أعطت رفاهية العيش عقلاً لمن ارتضى رفاهية التفكير وهشاشة الإصرار للتغيير ؟؟!!
ومن البداية حيث لا مكان للنهاية، عندما تُطلّ في الوجه البشاشة وتنسحب من العقل الهشاشة، يُسدل طوَّق الإنسانية بذوقٍ بالنكهة السودانية.

< رئيس لجنة التدريب بالاتحاد العربي الافريقي للإعلام الرقمي