من سماء السودان أكتب كلماتي

د.عبدالعليم محمد عبدالكريم باعباد

د.عبدالعليم محمد عبدالكريم باعباد

ها أنذا أودع الخرطوم وداع المشتاق للعودة، المؤمل لوصل الاهل هنا -وكل السودانيين لنا أهل- وها أنذا أكتب كلماتي من سماء السودان وكل شعب السودان سماء، غير أنهم سماء تظل حميمية، وتمطر كرما، وتسمو عزة.
الكتابة تحتاج للصدق كما يحتاج الكائن الحي للماء فبدون الصدق تظل الكلمات خاوية جوفاء ميتة.
والكتابة عن أهل السودان لا يفي بها مقال صغير كهذا فشهرتهم في التحلي بالقيم العليا والاخلاق الحميدة قد ملأت الافاق..غير أن من حقنا أن نكتب ومن حق الاخرين علينا أن ننصف.
ثمة طبائع في أهل السودان هي من بقايا المجد والتحضر الضارب جذوره في أعماق التاريخ.
وهناك أخلاق عند أهل السودان هي نماذج حية، وتطبيق قويم للدين الإسلامي الذي تجده هنا سلوكا وواقعا معاشا.
وبين هذه وتلك تجد إنسانية السوداني تشرق من وجهه ومن بين ثناياه، وضميره الحي يسبق أي حسابات أخرى سواء في تعامله مع الناس أو في تعامله مع الضيف، وللضيف في عرف أهل السودان حكاية وحكاية..
وهي ما دفعني لأكتب هذه الكلمات عن من السماء عن السماء.
شهدت موقفا حدث معي وأمامي لا أنساه ما حييت..فبينما كنت في ظهيرة يوم الاحد 5 فبراير 2017 اسأل في محطة العربي للحافلات والناقلات عن وسيلة تقلني الى فندق كورال الخرطوم..كان الزول « أخذت اسمه فيما بعد» قد أدرك من لهجتي وكلامي أنني يمني، وقد لاحظ التعب على وجهي..وأنا استفسر عن أجرة التاكسي، وبينما كان هو قد تولى نيابة عني مشارطة سائقي التاكسيات عن قيمة الاجرة، ولم يعجبه مغالاة البعض ماقيمته عشرة جنيهات فوق الاجرة المعلومة، اندفع يؤنبهم بقوله: عيب عيب هذا ضيف يمني…وأمام اصرارهم دفع قيمة الاجرة كاملة 30 جنيها.وأنا صاعد التاكسي.«وأنا لا أعرفه ولا يعرفني».
لما رأيته يمد لصاحب التاكسي الاجرة سألته ليش تدفع أنا عندي فلوس.
أجاب: لا والله أنت ضيف.
وأمام إصراره لم أجد بدا من الحلف والنزول من التاكسي حتى يأخذ فلوسه..وبعد نزولي ويميني أخذ الفلوس ..لكنني أخذت اسمه ورقمه..وكان هذا الموقف قد أثر بي كثيرا..
وأثر بصاحب التاكسي السوداني أيضا الذي قال: الامة بخير.
وهناك مواقف كثيرة ستلاقي كتابتي عنها في حينها إن شاء الله.
هذا هو السوداني وهذه هي أخلاقه..
هذا هو السودان يا أدعياء الحضارة والتاريخ.
هذا هو السودان يا أهل الحداثة التي قطعت الاواصر وباعدت الأقارب.
هذا هو السودان أيتها الضمائر الميتة.
السوداني يشع إيمانا و إنسانية.
السوداني يمتلئ إيثارا وتضحية
السوداني ممتزج بالكرم والشهامة.
والسوداني كذلك صافي الفطرة ذكي العقل نقي الطباع.
والسوداني صاحب باع في الحضارة وقديم قبل التاريخ.
فتحية للسودان من السماء..وللسوداني الذي بدى سماء على الارض فاستعصم بأخلاقه وسما عن كل ما يشين الطباع ويخدش المروءة