روايات خاصة: أصداء البئر

roawafkar(1)
٭ يأتي صوت (ود تاج الدين) من عمق بئر يزيل عبوس الوجوه وعتمة المشهد ويرسم ابتسامات كسولة على ملامح أضناها الرهق والعطش والترقب وليالي السهر، ويتردد صداه ببطء ونستمع إليه بمتعة (عسنت) أي تجمع الماء في البئر، ونبدأ موال الري بالدلو، وحيناً بالثيران التي تسحب الدلو وأخرى بالحمير، وتتعالى النغمات بالغناء الطروب، وأجمل المناظر حين يتدفق الماء في الحوض، انها حياة جديدة وبشارات للفرح، فمن البارحة جف الماء ونضب قاع البئر، ورحلت الجموع من بئر إلى أخرى تلتمس جرعة ماء للسقيا وبلل الشفاه، وعادت بالخيبة والأسى، ورفعت البكرة والحبال «السلب»، وبقى في الحوض «عكورة» لا تروى ظمأ أو تملأ طمأنينة عين.
(2)
٭ للصيف سطوة هنا، تشتد الحرارة، وتنعدم مياه الشرب، وتستحيل الحياة إلى واقع أليم ومحزن، ويبقى «العد» أو مكان الشرب من آبار أو حفائر علامات بارزة وشواهد محفوظة في الذاكرة، يقول أحمد عوض الكريم:
نزل وادي العطش ثم الدموك وأتعافف
قنب جلده من حسس الشقيق يترافق
وأودية العطش، والجفاف أماكن تزاور عنها حتى الرواحل في اشارات ضمنية كثيرة لقسوة الطبيعة حين يشح الماء، وكما يقول الصادق ود آمنة:
أجفل بعد ما وخر العطشان
تقول سريان كمنجة بعزفو جنان
عجلك ترو يا المقدر بعيدك هان
حويتك رجال الله وضريح عثمان
وأشار العاقب ود موسى:
عجل وخر العطشان وتر فنانك
فج وأجوجى يا أب حبراً سرف بي جرانك
شن بقى يا لزوم سرجي الزمان ما هانك
أصل بتضوق علوق عند البعظمو شأنك
(3)
٭ و«للعد» أو مورد الماء قوانين كثيرة، ولكل بيت بئر ومورد ماء، ولكل نوع من البهائم موارد للإبل وللأبقار وللضأن والماعز، وقبل كل ذلك للسقيا تقديم خاص وتقدير، وللضيوف والعابرين خصوصية في ورود الماء، ويكون شرب الإبل للرواحل قليلاً، كمال يقول شيخ العرب:
غشيت عد الصباغ نشحتو فيه نشاح
ختر وأتوجه القاضي المسن له وشاح
على سيد الجمال أبو مدفعاً رشاح
قنب يحاكي في تعل الخلاء الكشاح
وتلك مقاربة لطيفة لأن البعير شرب قليلاً من الماء «نشاح»، ومع ذلك في مسيره إلى سيد الجمال كان مثل المطر «تعل» كثير «الصبيب» مع الريح وفي الخلاء حيث يكون لصوته دوي ولوقعه صدى مخيف..
(4)
٭ يقترن العطش بعينة محددة، تغور فيها الآبار، ونمضي الليل كله ننتظر الفجر على أمل أن تدر المياه وتتجمع، ففي هذه الأيام تضج الحياة وتضيق، وكما قال ود شوراني:
غاب نجم (النطح) والحر علينا اشتد
ضيقنا وقصر ليله ونهاره امتد
نظرة المنو للقانون بقيت اتحدى
فتحت عندي منطقة الغنا ال انسد
وقد قرن شيخ العرب سوء الحال بجفاف العد، وبيع البعير وقال:
بعد أم بوح تقطط جامة العداد
بعت أب نامة بي قيمة عشرة أمداد
إن جادت بخيط العنكبوت تنقاد
وان عاقت تقطع سلسل الحداد
و(قطت) البئر أي نفد الماء و(جمت) أو (عسنت) توارد النبع فيها..
وتلك أيام نقابلها بالصبر والمصابرة، حتى يطل السحر من جديد، وتعود البشائر وكما يقول ود سند:
كله الحي بجيه الشيب وعمره بروح
وهي بعودتها الشباب وين البرق ما يلوح
بتتحنن جديد شابه وعطرها يفوح
حسيراً بنوني ذي الفاقد المجروح
وكما يقارب الصورة على عكير:
فرجه قريب حقيقة بروش عذابنا طواها
انطفت أم لهيب والطرفة عم رواها
فروعاً يابسة مده الليلة شفنا نواها
فتقت جاءنا ذي نفس الأراكه هواها
والحمد الله مقلب الليل والنهار.. وبيده كل شيء..