يوليو ومارس شهرا الأزمات و الكوارث

كان طلاب 480جامعة الخرطوم على أيامنا وما قبلنا يتطيرون من شهر مارس أو بالأحرى يتوجسون منه خيفة ، هذا التطير والتوجس من هذا الشهر، جعلهم يطلقون عليه «مارس شهر الكوارث»، وكانت لهم مسيرة سنوية فوضوية شهيرة راتبة ينظمونها عند حلول هذا الشهر من كل عام، وكانت تلك المسيرة تشبه إلى حد كبير الحفلات التنكرية التي يرتدي فيها المحتفلون الأزياء التنكرية التي تخفي ملامح الشخص المتنكر، وكانت تلك المسيرة تجوب أرجاء الجامعة في وقت متأخر من الليل، وكان يشارك فيها رهط كبير من الطلاب لا يتخلف عنه حتى طلاب الكليات الطرفية كالطب والصيدلة والبيطرة والزراعة والتربية، وكان المشاركون من الطلاب والطالبات يرددون الهتافات الساخرة المتبادلة بينهما، منها ما لا يصلح للنشر هنا، وإن أنسى فلن أنسى تلك اللقطة التي حمل فيها أحد المتظاهرين «تيس البركس» المشهور، على أكتافه وصار يدور به ويردد بعض الهتافات الخادشة للحياء، بقي أن تعلم عزيزي القارئ أن كل هذه «الزيطة والزمبريطة» التي كان يقيمها الطلاب ضد شهر مارس، كانت بسبب الامتحانات التي درجت الجامعة سابقا على عقدها في شهر مارس من كل عام، وليس طلاب جامعة الخرطوم وحدهم من كان يتشاءم من مارس، فهناك أيضاً عدد من المراقبين والموثقين لأحداث التاريخ قد لاحظوا أن شهر مارس نادراً ما يمر على السودان بسلام، وتنقضي أيامه بأمان دون أن تشهد البلاد حدثاً قاسياً وموجعاً ومحبطاً، وأطلقوا عليه بناءً على هذه الوقائع المؤسفة، مارس شهر الكوارث والأزمات والانقلابات والأحداث الدامية ، نذكر منها حوادث مطار الخرطوم الدامية عام1954 ، الانقلاب المعروف باسم انقلاب كبيدة 1957 ، أحـداث ود نوبــاوي 1970 ، احداث الجزيرة أبا 1970 ، رحيل الشاعر حميد والسكرتير السابق للحزب الشيوعي محمد ابراهيم نقد والدكتور حسن الترابي وجميعهم رحلوا في شهر مارس ..
لست ممن يتشاءمون أو يتطيرون من أيام أو شهور أو ظواهر طبيعية بعينها، ولم آتِ على سيرة كوارث شهر مارس إلا بسبب ما أورده الأستاذ محمد لطيف من أحداث سودانية مؤسفة وقعت في شهر يوليو ذكر منها انقلاب يوليو 1971 ، وحركة يوليو1976 أو حسب تسمية نظام مايو لها « حركة المرتزقة » وهي الحركة التي قادتها الجبهة الوطنية المؤلفة من الاتحاديين وحزب الامة والاخوان المسلمين ، وانفصال جنوب السودان ،ولا أدري ما اذا كان الاستاذ لطيف متشائما أم متحسبا من شهر يوليو القادم بايراده لتلك الأحداث وهو يحاول قراءة ما ستسفر عنه مهلة الستة أشهر التي حددها القرار الامريكي والتي ستنقضي في يوليو القادم وعلى ضوئها يتحدد أحد أمرين ، اما تواصلت عملية رفع العقوبات أو أعيدت كما كانت وكأننا لا رحنا ولا جينا ..