هذا هو السودان وهؤلاء هم قادته

422مما يثير الدهشة ، أن تجد دعوة السيد الرئيس لتشكيل حكومة ذات قاعدة موسعة ، عدم القبول من بعض الفرق والجماعات ، لأن مثل هذه الدعوة لا يطلقها مستبد ، أو طامع حسب الذى نعرفه عن الطامعين ، والمستبدين .
فالمستبد ، لا يتحمل مشاركة أحد فى سلطة ، أو ثروة ، والأمثلة فى هذا النحو قد تفيض بقدرٍ لا يحتاج إلى دليلٍ بالنظر إلى التاريخ ، والتفحص فى مجريات من يحكمون الدول ، ويسعون لتأسيس الإمبراطوريات .
أما الطمع ، فنحن ندرك أبعاده وخصائص ، ومواصفات أصحابه ، لأنه يغرى من ابتلى به على التكويش والإستئثار ، فلو كان للطامع واديان من ذهب ،لأجتهد وضحى بكل ما يملك لنيل وادٍ آخر .
وبناء على ذلك فإن شعب السودان يدرك بفطرته الطبيعية وحواسه التى لها قرون للإستشعار من هو الطماع والبخيل ومن هو السخىُّ والكريم ، حيث إن الذى لا يرتضى دعوة المشاركة فى تحمل المسؤولية لبلدٍ هذه هى طباع أهله ، لا شك بأنه يتحدث عما فى نفسه من جشعٍ لئيم ومكرٍ كبير .
فالسودان بقراءة لتاريخ أهله ، وما يتمتعون به من ميزات إجتماعية تجل عن النظير ، عرف بين الدول والمجتمعات ، بأنه مجتمع متسامح ، وتعلو صفات التكامل والمشاركة فى أعلاه ، والتواضع والبذل فى أدناه .
وليس أدل على ذلك من منظرٍ يثير الإعجاب عندما ترى رئيس الجمهورية ونوابه ووزراءه يقفون وسط المشيعين عندما يتوفى رمزُ إجتماعى ، أو وطنى ،وفى تلك الساحة الدائمة وهى المقابر ، لا تجد فرقاً بين من يحمل معولاً لإعداد القبر للمتوفي وبين رئيس عفرت التراب ملابسه ، وهو يقف دون زينة ، أو أبهة ، كفرد بسيط بين المعزين ، والمشيعين .
والذين يرفضون دعوة المشاركة في الحكم ، أرى أنهم يحملون نية فى قلوبهم تعج بالضغينة ، ليس ضد من يحكم ، ولكنها للأسف الشديد ضد بلدٍ وشعب ، وغاية هذه الضغينة أن يسقط علم البلاد ، وينهار السقف على الجميع ، وتفترس الذئاب والضباع الصغير والكبير ، ونعوذ بالله من شر ما خلق ، ومن شر النفاثات فى العقد ، ومن شر حاسدٍ إذا حسد .
والسودان الذى تغنى فخراً بالانتماء إلى أرضه المغنون ، ونظم الشعراء فيه القصائد مادحون ، سيظل أهله هكذا يضربون المثل فى قمة قيادتهم وأدنى قاعدتهم ، بألا ينسحب فرد من تحمل المسؤولية ، وألا ينفرط عقد الإعتصام الذي تواثقوا حوله لبناء هذه الديار ، ورعاية ما ورثوه من ميزات وصفات .
ورحم الله شاعرنا إسماعيل حسن الذى قال فى قصيدة طويلة وأسفاى وأسفاى لو ما كنت سوداني وأهل الحارة ما أهلي والسودان اليوم يحتاج إلى بنيه الخلص والى أحفادٍ يصنعون المجد ، ويحافظون على التاريخ ليزدان المستقبل بالنور ، والإشراق ، والضياء .