في الذكرى التاسعة عشرة لاستشهاده.الشهيد الزبير محمد صالح مسيرة حياة بين دخان البارود ورائحة المسك

مسارات

مسارات

في تلك الايام من بداية العام 1998م كانت البلاد تستعد الى تحولات كبيرة في مسيرتها السياسية حيث كانت تحتضن قاعة الصداقة بالخرطوم أعمال لجنتي الدستور القومية والفنية لاعداد دستور جديد يستوعب حرية العمل السياسي والذي يتاح وفقا لمواد هذا الدستور والذي يعتبر خطوة مهمة في التطور الطبيعي لثورة الانقاذ الوطني وهي تنتقل من الشرعية الثورية الى الشرعية الدستورية .
وفي جانب آخر كان د. غازي صلاح الدين، الامين العام للمؤتمر الوطني وصحبه في الامانة التي ضمت في ذلك الوقت د. علي الحاج، ومحمد احمد الفضل ،وسيد الخطيب، وامين حسن عمر ،وسمية ابوكشوة ،وعوض الكريم موسى قد وضعت الاساس والذي بموجبه سينتقل دكتور حسن الترابي الى الامانة ليقود مسيرة المؤتمر الوطني في مرحلته الجديدة في ظل الدستور الجديد والذي يتيح حرية العمل السياسي وفق قانون التوالي السياسي ، حيث كان د. الترابي يدير هذا الأمر من داخل قبة البرلمان.
في تلك الاجواء كان اللواء الزبير محمد صالح يقود تحركات كبيرة من اجل احلال السلام في السودان ويكثف من زياراته الى جنوب السودان و كانت كل هذه التحركات تتكامل في العمل الدستوري والعمل السياسي والعمل من اجل احلال السلام بالتفاوض مع قادة التمرد خاصة في ولاية اعالي النيل والاستوائية وبحر الغزال ، وكانت كل تلك التحركات في الخرطوم والجنوب من اجل ان تنطلق مسرة البلاد بدون معوقات .
وفى صبيحة يوم 12 فبراير من العام 1998م سرت معلومات عن سقوط طائرة عسكرية في الناصر في نهر السوباط وعلى متنها اللواء الزبير محمد صالح وعدد من القيادات السياسية والعسكرية ، وكان وقتها علي عثمان محمد طه ضمن لجان الدستور الفنية والقومية في قاعة الصداقة حيث تم نقل خبر استشهاد اللواء الزبير محمد صالح وصحبه في مدينة الناصر عند نهر السوباط وتحولت قاعة الصداقة الى تكبير وتهليل وكثير من البكاء والعويل ، حيث وقع الخبر على الحضور كالصاعقة ومنهم من لم يصدق ومنهم من ألجمتهم المفاجأة ولم يستطع ان يحرك ساكنا ، ومن بين تلك اللحظة وحتى مواراة الجثمان في مقابر الصحافة مع مجموعة من صحبه الذين استشهدوا معه منهم المدير التنفيذي لمنظمة الدعوة الاسلامية الداعية عبد السلام سليمان والقائد الجنوبي أروك طون اروك ، وموسى سيد أحمد وهؤلاء الثلاثة انضموا للوفد المغادر الى الناصر في آخر اللحظات ، وضم الوفد مدير مكتب الزبير العميد جمال فقيري، ورجل المراسم الفاتح نورين واللواء طه الماحي احد قادة سلاح المدرعات ، ومن شهداء الاعلام في الطائرة هاشم الحاج والهادي سيد احمد من التلفزيون القومي .
وكان استشهاد الزبير محمد صالح في ذلك الوقت قد شكل متغيرات جديدة فى العمل السياسي في البلاد رغم الترتيب المتفق عليه مسبقا لعملية التطور والانتقال ، لان استشهاد الرجل الثاني في الدولة يعني ان هنالك ترتيبات جديدة وفقا لمعطيات هذا الحدث وتبعاته ، فقد صعد نائب الامين العام للحركة الاسلامية علي عثمان محمد طه ليكون نائبا اول لرئيس الجمهورية وكانت هذه نقطة التغيير الاولى بعد استشهاد الرجل الثاني فقد جاء القيادي من الحركة الاسلامية في مكان رجل عسكري ، وهذا التحول كان محل اهتمام ونظر ، على الرغم من حل مجلس الثورة الذي كان يحكم البلاد في عام 1993م أي قبل 5 سنوات من استشهاد اللواء الزبير ، وبعد التطورات الكبيرة التي حدثت بعد عام ويزيد من استشهاد المشير الزبير ، فقد وقعت المفاصلة بين الاسلاميين في نهاية العام 1999م وكانت اكبر حدث غير مجريات الاحداث وتطورها الذي كان مرسوما ليصل الى نهايات تضع اساسا للعمل السياسي في البلاد .
واليوم تمر الذكرى التاسعة عشرة لاستشهاد الزبير محمد صالح ، فهي مناسبة يجب ان نعيد فيها ما قدمه اللواء الزبير لهذا الوطن ، حيث كان ممسكا بأهم ملفين احدثا تغييرا في حياة اهل السودان ، حيث كان مشرفا على ملف ثورة التعليم العالي التي فتحت الباب واسعا لآلاف الطلاب لكي ينالوا حظا من التعليم العالي بسبب التوسع الذي حدث في انتشار الجامعات في كل ولايات السودان ، وكانت مجموعات ضخمة من طلاب السودان يكتفون بالشهادة السودانية ، لان فرص القبول كانت ضيقة في اربع جامعات فقط وكان من يستطيع يذهب للتعليم خارج البلاد في البعثات الخارجية في مصر والمغرب والعراق ودول شرق اوربا والاتحاد السوفيتي ، واليوم الملايين من الطلاب ينالون تعليمهم داخل البلاد ،بل وداخل ولاياتهم، بل وداخل محلياتهم ، فمن باب اشراف ملف الزبير محمد صالح ونجاحه في هذا الامر على النحو الذي يحكيه الواقع اليوم فمن حق السلطات اقامة جامعة كليات تكنولوجية وتقنية إحياء لذكرى رجل كان له القدح الكبير في هذا التوسع الذي شهده التعليم العالي.
وكان الملف الثاني الذي أشرف عليه هو ملف الحكم الاتحادي والذي بموجبه تم تقسيم البلاد الى 26 ولاية منها عشر ولايات في الجنوب وست عشرة في الشمال ، وكان لهذا التحول أثر كبير في تقصير ظل الاداري وتقديم خدمات افضل للمواطنين ، وساهم هذا التحول في تطور كبير في كثير من الولايات والمدن التي نهضت بفضل هذا التقسيم مثل مدن ربك وسنجة اللتين اصبحتا عاصمتين لولايتي النيل الابيض وسنار، ونهضت كثير من المحليات وتطورت خدمات التعليم والصحة التي اصبحت قريبة جدا من المواطنين مقارنة بزمان مضى، وزيادة في عدد المدارس في الولايات والمحليات في مرحلتي الاساس والثانوي وعدد المستشفيات والمراكز الصحية يشهد بذلك .
وفي مثل هذا اليوم يجب ان يكون وقفة تقدير واعزاز لهؤلاء الشهداء الذين قدموا ارواحهم فداء للوطن في المؤسسات المعنية مثل القوات المسلحة وجهاز الامن والمخابرات الوطني والشرطة والدفاع الشعبي ومنظمة الشهيد ومنظمة نداء الجهاد اذا كانت لازالت على قيد الحياة ، وبقية المؤسسات المعنية ، ونسأل الله ان يتقبلهم قبولا حسنا مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.