هم ظاهرة صوتية «3»

485كانت حكومة الفريق إبراهيم عبود «1958-1964»، أقل الحكومات كلاما وجعجعة، ولأنها لم تنكر قط أنها عسكرية، فقد كانت القيادة العليا فيها تتألف من العساكر فقط، وكان أفرادها عسكريون محترفون ، وبالتالي لم «يصرفوا كلام كتير»، وأذكر أنني وخلال عملي في التلفزيون السوداني، جلست عدة أيام في مكتبته بحثا عن مواد ذات قيمة تاريخية توثيقية، وعثرت على نحو 3 أشرطة فيديو فيها خطب لعبود ولم تكن أي من الخطب الثلاث تزيد على 15 دقيقة، وسألت زميلا في الإذاعة السودانية، عن ما لديهم من خطب عبود، فلم يعثر سوى على سبع منها «بدأ التلفزيون البث في 23 ديسمبر 1962».
والشاهد هو أن عبود لم يسع لتسويق نفسه وحكمه بالجعجعة، ولم تكن له خطب عامة لأكثر من مرتين في السنة: ذكرى الاستقلال وذكرى17 نوفمبر، الذي هو يوم وصوله ورفاقه الى الحكم، ولا يذكر من عاصروا تلك الفترة أنهم سمعوا أعمدة حكم العصر العبودي: المقبول أو عروة أو مجذوب البحاري أو حسن بشير أو أحمد رضا فريد أو عبد الرحيم شنان، يخطبون في منبر عام، فقد تمسكوا بشعار الحكم المعلن «احكموا علينا بأعمالنا»، وهي عبارة تعني ضمنا «لا تحكموا علينا بأقوالنا».
كان عضو المجلس العسكري الحاكم الوحيد الذي يظهر في المنابر العامة، هو محمد طلعت فريد، وكان ذلك خلال شغله لمنصب وزير الإعلام والرياضة، فبحكم أنه كان لاعب كرة قدم معروفا في ناديي المريخ والهلال، «كان أول من طرح ونفذ استخدام اللاعبين للأحذية بمواصفات معينة – ما صار يعرف بالكدّارات» فقد كان أكثر أعضاء المجلس ارتباطا بالحياة المدنية.
ورغم الصرامة العسكرية التي ميزت شخصيته، فقد كانت خطبه العامة بسيطة ولا تخلو من القفشات، وكان مشهودا له بالحسم، فمثلا، عندما أصيب لاعب الفريق القومي «المحينة»، في مباراة مع المنتخب الإثيوبي، واستوجب ذلك نقله الى لندن للعلاج، قال القمسيون الطبي إن درجته الوظيفية دون اسكيل جي»، فما كان من طلعت الا ان اتصل بمدير مصلحة النقل الميكانيكي، حيث كان المحينة يعمل، وطلب منه ترقيته الى اسكيل جي كي يسافر على وجه السرعة، وقد كان.
ولأن طلعت فريد كان عفويا في أحاديثه هنا وهناك، وكان شديد الاهتمام بالفنون والرياضة، فقد فبرك الناس على لسانه عبارات من شاكلة «وقد كبسنا لكم المسرح كبسا»، وقد عرفت طلعت فريد عن قرب، لأنني زاملت ابنته سميرة في كلية الآداب بجامعة الخرطوم، حين كان يأتي بسيارة مكعكعة لإعادتها الى البيت، وقلت له ذات مرة: يا عم طلعت انت رفدتني من المدرسة «وادي سيدنا الثانوية»، عندما كنت وزيرا للتعليم، وحرمتني وأعضاء اتحاد تلك المدرسة من الجلوس لامتحان الشهادة الثانوية، فقال لي: الحرمان من الامتحان كان هرشة ساكت، لكن الرفت كان قرارا «سليما». والشاهد أنني وجدته رجلا بسيطا، ويعيش على الكفاف، وظل مهتما بالرياضة حتى بعد أن صار مواطنا عاديا، ونجح في جعل عياله الخمسة «بنتين وثلاثة أولاد» رياضيين مرموقين في مجالات التنس والسباحة..
ولست ممن يقولون يا حليل عبود أو يا حليل نميري، بل لا أقول يا حليل أي واحد ممن شغلوا المناصب الدستورية/ التنفيذية بالانتخاب، بل أقول يا حليل السودان ويا حليل التعليم والصحة والتنمية والوحدة الوطنية، ورغم ما يقال عن إن عبود جاء الى الحكم استجابة لما يطلبه المستمعون «وأنا لن أفسّر وأنت لن تقصِّر»، فإنني مدرك لكونه ورفاقه أول من سنّ دخول العسكر في شؤون الحكم، وبالتالي مرتكب ما يسميه المسيحيون بالخطيئة الأولى the original sin وهي خروج أبونا آدم من الجنة، والتي لخصها المتنبي في بيت الشعر: أبوكم آدم سن المعاصي / وعلمكم مفارقة الجنان.